بحث عن:

الثلاثاء، 21 يونيو 2011

عن الحبيبة أتحدث



عن الحبيبة أتحدث

باسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبعد:

قال تعالى:[يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا ]البقرة (104)

لهذه الآية الكريمة معي قصة لن أنساها ما حييتُ
فذكرها لا تنفك عن وجداني حيث ارتبطتْ عندي بأدب اكتسبته من معلمتي – رحمها الله تعالى-

معلمتي وما أدراكم من معلمتي !!!

كانت حسن خلق يمشي على الأرض ، والله الذي لا إله إلا هو
لا أبالغ بل لا تواتيني الكلمات لأصف كريم أخلاقها ...
ويكفي أني يوم علمتُ بموتها ألفتني أردد دون شعور مني :[رحمة الله على حسن الخلق].

لو طاوعت نفسي لاستطردتُ

في الحديث عنها استطراد المحب الذي لا يمل أبدا من ذكر محبوبه والحديث عنه
مجترا لأعطر وأطيب وأسما ذكريات العمر- رحمها الله -


كنتُ : -والله على ما أقول شهيد-

أشعر وأنا فى طريقي إليها أنه يوم عيد ، فينشرح صدري ويخف بدني كأني أطير لهفى للذهاب إليها ، بل - ووالله منذ أفارقها أتعجل يوم لقيها ، وليلة مجلسها تكون ليلة العيد استعجل الوقت ، ولما ألقاها أحمل هم الفراق .


لا أستطيع أن أملأ عيني من محياها ولا أطيق أن يلتقي ناظرانا أسرع بغض الطرف إذا التفتت إليّ، وأستمع لها بكل عصب فيَّ أتحول إلى أذن وعين أحاول ألا تفوتني لفتة ، كلمة ،همسة؛

فقد كانت لفتاتها أدب ، ونظراتها أدب ،وكلماتها أدب ،وسكونها أدب ،وكلامها أدب .


كانت نضرة الحديث على محياها – رحمها الله-كلما نظرتُ إليها تذكرتُ حديث:

[نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها……….]سنن الترمذي بتحقيق الألباني/39-كتاب العلم عن رسول الله…./7- باب ماجاء في الحث على تبليغ السماع/ رقم : (2658) صحيح.


كانت هينة لينة، تجزع إذا خطر ببالها أنها ربما كدرت أحدا،كانت تتطلف لأصغرنا ولا تسفه

لإحدانا قولا ، وإن كانت إحدانا تقول سفها تصغي لها وترشدها دون أن تشعرها بسفاهة ما تقول، وتلوم إحدانا بنظرة عين وبسمة غَضْبَى ، كانت صبورة ، كانت حنونة.


كانت ذات علم وعن علمها حدث ولا حرج ؛ ضُربَ لها في كثير من العلوم بسهم وافر، كنتُ أحب العلم ولما رُزقْتُها شُغفْتُ به ’فكانت مع تقدم سنها أنشطنا ذهنا وأكثرنا دأبا ،وأكثرنا نهما؛كنا نتدارس من الصباح الباكر حتى المساء فلا تكلّ ولا تمل لا تشعر بمرور الوقت تتبلغ بأسرع المأكولات وأيسرها وأثناء الطعام لا تتحدث إلا

فيما يفيد من مسائل علمية .

وعند الفراق -ونحن متحسرات على أزوف الرحيل -تطيب خاطرنا قائلة: (منهومان لا يشبعان منهوم في العلم لا يشبع منه ومنهوم في الدنيا لا يشبع منها) صححه الألباني في مشكاة المصابيح:حديث رقم :(260)


نرى في عينيها مثلنا لمحة الحزن على الفراق ووعد بلقاء ودعاء يقرؤه من يعرفها: (نسأل الله أن يكون اللقاء قريبا.)


معها ننهل من العلم والأدب فمن ذا الذي يمل معها؟؟



علمتي :

- كيف اصغِي وأحترم كلام المخالف ،علمتني آداب الخلاف :
كيف أناقش ، متى أتوقف ، ألا أجادل، لابد من سلف لما أذهب إليه ، لا أقدم بين يدي العلماء والأئمة ، أنتقل من قول العالم إلى قول العالم بدليل ليس اتباعا للهوى ولا نصرة لنفسي .

لا أحصي عدد المرات التي كانت تجيب سائلة لها عن مسألة :

لا أعلم ،( من يتق الله يجعل له فرقانا) .

.علمتني كيف أحب الكتاب : ‍‍‍كأني أنظر إليها تحمل الكتاب بحرص ورفق كأنه وليدها ...

أذكر أنها أعطت لي كتابها يوما لأقرأ منه فقرة ما وكنت أحمل قلما رصاصا ، فذهبت أخطط تحت الشاهد من الكلام في الكتاب كما أفعل في كتابي ، وإذا بكل العيون ناظرة لي بلوم وعتاب

وأنا غافلة عن سبب نظراتهن تلك ؛ فتمثل في ذهني حديث معاوية بن الحكم السلمي عندما تكلم في الصلاة واستنكر عليه الأصحاب عظيم فعله وهو غافل عما يُلام عليه (1)

وتطوعت إحداهن مشكورة ؛ لما وجدتني غافلة عن سبب فعلهن فلكزتني وهمست لي :لا تخططي في كتاب المعلمة

وهي- رحمة الله عليها- متبسمة تبسم المغضب نظاراتها عاتبة قابلة عذري قبل أن أقدمه .



كانت حسنة الظن إلى أبعد مدى واسعة الصدر راحبته ،كانت لا ترد الدعوة بل تلبيها ما استطاعت إلى ذلك سبيلا

رغم شدة مرضها وضيق وقتها إذا علمت عن إحدانا أن عندها بلاء دق أو جل تتكلف وتهاتفها وتسأل عنها وتدعو لها تتفقد أحوالنا .


لا أنسى - ما حييت - عندما أحضرت دمىً لابني وعادته مع بعض أخواتنا في المشفى رغم بعد الشقة عليها تعود ولدى وترقيه وتدعو له بالشفاء وتستفصل مني عن حاله كأنه ابنها كم مس رقيق صنيعها شغاف قلبي وملكت بجميل خلقها جماع نفسي



أما عن علمها فـــــ…أُراني استطردت رغم حرصي على ألا أفعل وياليتي وفيتُ !!! بل هذا -والله -غيض من فيض .


وتبقى أحلى وأرق وأسما وأرفع وأصدق وأعمق المشاعر- تلك التي تعجز الكلمات

عن التعبير عنها - حبيست حروف تلكم الكلمات.

ولنا لقاء آخر لأذكر لكم قصتي معها و مع الآية .



-------------------------------

((1))عن معاوية بن الحكم السلمي قال: [ بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . إذ عطس رجل من القوم . فقلت :يرحمك الله ! فرماني القوم بأبصارهم . فقلت : واثكل أمياه ! ما شأنكم ؟ تنظرون إلي . فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم . فلما رأيتهم يصمتونني . لكني سكت . فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . فبأبي هو وأمي ! ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه . فوالله ! ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني . قال " إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس . إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن
……]صحيح مسلم /كتاب المساجد ومواضع الصلاة /7- باب تحريم الكلام في الصلاة…../حديث رقم:33-(537).
 
******************** 
باسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
صلى الله عليه وعلى آله ومن تبع هداه ثم أما بعد:
أبدأ مستعينة بالله سائلته التوفيق والسداد في سرد قصتي
مع الآية الكريمة :[يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا]
سورة البقرة (104)
بعد ما سبق من توطئة بين يدي قصتي عرَّضت فيها ببعض
من شمائل معلمتي –رحمها الله تعالى-أسرد لكم قصتي هذه
غير خَجْلى من أحداثها ؛ بل من شدة تأثيرها في أعماقي كثيرا
ما أتلمس السبيل لاجترار أحداثها كما أفعل الآن لعل الله ينفع
سامعا لها كما نفعني ،وما هذه القصة إلا مثلٌ لسمتها وهديها
-رحمها الله-في التوجيه والتعليم والتأديب ....
ولئلا أتشعب في لجة الذكريات العطرة أباشر بالسرد:

((كنا يوما في المجلس معها ملتفات حول منضدة قريبة من الأرض
لا يتعدى عددنا أصابع اليد الواحدة عداها-متذكرة أنا كافة
الوجوه التي حضرت بل وموضع كل منا حولها فالذكرى حية في
مخيلتي- مع كل واحدة مرجع تبحث فيه عن طرف لمسألة كنا
نباشر في جمع أقوال أهل العلم فيها ، وكانت مسألة فقهية على ما
أذكر وكانت –رحمها الله -بعد جمع ما تيسر لنا من أقوال لأهل
العلم تسمح لنا بالنقاش لتوضح كل منا أي هذه الأقوال اتبعتْ
ولِمَ ، وتسمح برد أخرى عليها بسرد الأدلة المعارضة
والتي استدل بها علماء آخرون يضعفون بها استدلال الفريق الأول وهكذا….

وأذكر أنني تبنيتُ قولا فيما هن قد أجمعن على تبني خلافه فكنت أسوق أدلة
من أستدلُ بقوله من أهل العلم باذلة قصار جهدي لتوضيح السبب الذي
رجح عندي هذا القول دون الآخر ولما انتهيت باشرتْ- رحمة الله عليها-
بالتعليق وسرد الأقوال فعلمتُ أني لم أُوفق في عرضي للمعلومة
كما كنتُ أبغي ؛ فاستأذنتُ لأتكلم وأذنتِ لي فقلتُ لها:
[حضرتكِ لم تفهمي ما أعني إنما عَنيتُ كذا وكذا….]
فتركتني حتى أتممتُ حديثي ، ثم باشرتْ في القراءة مطرقة الرأس
وكأنها سرحى في ذهنها ما يشغلها ،ثم رفعت رأسها ،ونظرت
إلى الأمام وكنت عن يمينها، وقالت:
إن مما ينبغي علينا كمسلمات فضلا عن طالبات للعلم –
تجنب بعض المفردات اللغوية والتي ليست في ذاتها تحمل
معنًى سيئا إلا إنها قد تُوحي بمعنًى غير لائق فيجدر بنا العدول
عنها واستخدام مرادفا لها لا يحتمل لمعنًى غير لائق-والحمد لله الذي جعل لغتنا
العربية من أثرى اللغات بالمفردات و المترادفات ومثلتْ لنا -رحمها الله -قائلة:

1-كلمة (وَسِخ) من الأفضل العدول عنها إلى (غير نظيف)
فنقول:(الثوب غير نظيف)

2 -كلمة (خطأ) من الأفضل العدول عنها إلى (غير صحيح) فنقول:(هذا
القول غير صحيح)

3-تعبير(لم تفهمني) من الأفضل العدول عنه إلى:(هل وُفقتُ
في التعبير عما أقصد)أو ما شابه حسب السياق؛ وذلك لأن
التعبير الأول متضمن لمعنى الانتقاص من قدرة المخاطَب على الفهم.

4-كلمة(أكره) من الأفضل العدول عنها إلى (لا أحب)
فتكون ألطف في التعبير وليس فيها شديد دفع أو تنفير.

كما أنها مثلت ببعض الكلمات بلهجتنا المحلية والتي قد لا تحتمل معنًى غير لا ئق
في بلد آخر فمرد الأمر إلى العرف غالبا بالنسبة لهذا الأدب.

الشاهد :

أنني أدركت في الحال المغزى من الحديث، ومن هذا التوجيه رغم أنها لم
تخصني بالنظر حال كلامها ولا وجهت لي الكلام خاصة-ومن نافلة القول وصف
ما شعرتُ به آنذاك من خجل شديد ، وسخونة ،وغزير عرق في يومٍ
أذكر أنه شاتٍ من تعليق لأخت كانت تجاورني أتشعرين بالحر في مثل هذا اليوم‍‍ ‍‍!!
ولم أحاول التعذر لها بأن هذا التعبير من لزمات لساني لسبب هي تعلمه ولكنها
-رحمها الله-لعلها نسيته آنذاك، كما و أنني لا يمكن أبدا أن أقصد الانتقاص من
فهمها الذي كان كثيرا ما يبهرني ...!!

ولأنها مربية أريبة شعرت بما يعتلج في صدري
فعاودت استكمال الدرس بخفة وأدارت المناقشات حول ما كنا نتدارسه لافتة
انتباه الحضور إليها واهبة لي فسحة من الوقت لأتمالك شعوري وأجمع شتات نفسي
وأعاود المشاركة كأن شيئا لم يكن ، وكنت أشعر بها تتعهدني بناظريها بين الفينة
والأخرى كأنها تُربِّتْ عليّ وتواسيني -وإن لم أباشر النظر إليها- أعلم أنها ما أرادت
- رحمها الله - تحريجي ، بل هي تربينا جميعا وتأدبنا بما تعلم أنه لازم لنا .

ومن ذلك الحين انتهيت عن استعمال هذا التعبير كلما شعرتُ أن فيه تنقص
للمخاطَب في مقام ما ،ولم أنسَ هذا الدرس- رغم مرور السنوات الطوال-
لم أنسَ توجيهها الحازم الحنون ليََّ قط ... وأخذت أراعي استخدام المفردات
المناسبة في المقام المناسب وأتجنب المفردات المحتَمِلة- ما استطعت إلى ذلك سبيلا-
وقد أفادني الله بهذا الدرس فوائد لا يعلمها إلا هو سبحانه .

وبعد هذه الواقعة مرت سنة وسنة ، وتباعدت اللقاءات بسبب ظروف كل منا
وكنا في رمضان وكنت أقرأ في تفسير السعدي وممرت على تفسيره لهذه الآية:
[يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا] سورة البقرة (104)
فإذا بي أجد أن كلامها- رحمها الله-لم يخرج عما في التفسير حيث قال –رحمه الله تعالى-:

((…ففيه النهي عن الجائز إذا كان وسيلة إلى محرم ،وفيه الأدب واستعمال الألفاظ
التي لا تحتمل إلا الحسن،وعدم الفحش،وترك الألفاظ القبيحة،أو التي فيها نوع تشويش
أو احتمال لأمر غير لائق فأمرهم بلفظة لا تحتمل إلا الحسن…))انتهى
كتاب:(تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان) تأليف الإمام العلامة :
عبد الرجمن بن ناصر السعدي/ص61/المجلد الواحد.

فسارعتُ إلى تدوين ما ساقته لنا من أمثلة تطبيقية في حاشية الكتاب مخططة بالقلم
[الرصاص] تحت هذه السطور، معتقدة أن المعلمة- رحمة الله عليها- أرشدتنا
إلى هذا الأدب مقتدية بما أورده السعدي في تفسره ، ولكن مهلا ..لم يكن من عادتها
ألا تذكر سلفا لما تحدِّث به إذا علمته؟ّ
وعقدتُ العزم على سؤالها بهذا الصدد، ويشاء الله تعالى أن يكون اللقاء
أقرب مما ظننت وألتقيتها عند إحدى أخواتنا على الإفطار في نفس الأسبوع ،
وتحينت فرصة وسألتها -بعد أن ذكرتها بالواقعة-
هل قرأتِ تفسير الآية للسعدي ؟
فقالت :أن لا
فأحضرت لها التفسير وأطلعتها على كلام الشيخ فسعِدت –رحمها الله-
به أيما سعادة لحرصها على أن يكون لها سلف في كل كلمة تقولها
حتى لو كانت من العرف ،وحمدتِ الله على التوفيق...!!
وسعدتُ لسعادتها وما زلتُ حتى اليوم أتحين الفرص لأقص هذه الواقعة
لعل الله ينفع بهاوتعيها أذن واعية.

رحمة الله عليها. كم من أيادٍ لها علينا؛ فاللهم :
اجزها عنا خير الجزاء وألحقنا بها على خير ما تحب وترضى.


وما أصدق قول الشاعر:

قد مات قوم وما ماتت مكارمهم *** وعاش قوم وهم في الناس أمــواتُ

ففزْ بعلمٍ تعشْ حيًا به أبـــدا *** النـــاس موتى وأهل العلم أحياء.
 
 


الخميس، 16 يونيو 2011

ذكريات في المشفى


ذكريات في المشفى 

الحمد لله الذي هدانا والصلاة والسلام على مصطفانا وبعد :

بعض المواقف والأقدار تمر على بعضنا مرور الكرام
بينما بعضها يترك أثرا عميقا لا ينمحي مع الأيام

فتظل تتمثل في خاطره ما جنّ ليل وأعقبه نهار

نعم قد ينسى مع بعد العهد بعض تفاصيلها ، إلا أنه
سراعان ما تحضره ذكراها و يجترها ..

وفي هذه الصفحات سنحاول تسطير بعض من تلكم الذكريات
لصاحبتنا التي تحملتها في مرضها الذي ألزمها المشفى
بضعة أشهر قبل أن تعافى منذ سنوات و سنوات وسنوات

فماذا تراها اجترت من ذكراها صاحبتنا ؟

وما تراه يعنينا من ذكراها تلك في مقبل أيامنا ؟
 
أبدأ مستعينة بالله سائلته التوفيق والسداد :

(1)- وإذا مرضت فهو يشفين ...

تقــــول صاحبتنـــــا (1) :

كنتُ حديثة عهد بالعمل كمعلمة في المرحلة المتوسطة للبنات
أتممت العقد الثاني وفوقه ثلاث من السنوات ...

كنت صحيحة موفورة النشاط والقوة ، بفضل من الإله وقوة

وفي يوم جمعة ما لم ولن أنساه ، قرب العصر بتقدير الإله

شعرت في صدري بألم لا يطاق ، لا ألتقط أنفاسي إلا بجهد جهيد شاق

وانتابني السعال ، وظل يشتد ويشتد وساء مع الوقت الحال

أخذوني إلى الطبيب ، وكان بالجوار قريب

فقال كواثق من الشفاء :
إذا أخذتْ ذلك الدواء ، انكشف في الحال ما تجد من عناء ..

فأعطوني الدواء ، طلبا للعافية والشفاء ،
بعد أن أغدقوا على الطبيب الكثير من المدح والثناء

** ولفساد النية في تناول الدواء ، ولأنني نسيت أن الله بيده
الداء والشفاء ، زاد عليّ البلاء ، واشتد ألمي والشقاء.....


وكان هذا درسا لم ولن أنساه ، ما تعاطيت بعد كربتي تلك دواء
إلا قدمت رجاء الشفاء مشيئة الإله ، جازمة الاعتقاد أن الأمر مرده
في الأول والآخر إلى الله ، إن شاء أعمل الدواء ومنّ عليّ بالشفاء
أو أبقاني في المرض والبلاء لحكمة سبحانه إن شاء .

---------------------------------------------------------

(1)- نذكّر أن تلك الذكريات على لسان صاحبة لنا .

________________________  

( 2 )- سبحان رب الأسباب ...

تقــــول صاحبتنـــــا :



زاد المرض واستفحل السعال في بلاء

وتردد الأهل على كل مشهور* من الأطباء

فأجمعوا على أن لزوم المشفى من مقتضى الحال

فكان المشفى المعنيّ هو المستقر والمآل

ورغم أنواع الأشعات ، و كثرة التحاليل ، و استخدام ما تقدم من تقنيات *

عجز عن التشخيص الأطباء * ، فما علموا كنه ذلك الداء

إلا أنهم أخذوا يصفون الدواء تلو الدواء تلو الدواء

علّهم يدفعون ذلك الـــــــداء ، ويحققون بزعمهم الشفاء !!

ولكن ... سبحان ذي الكمال والجلال فما راعهم إلا اشتداد السعال

صاحبه نَزْف فاق الوصف والخيال ...!!

وهنا منعوني من الحراك ، بسبب شديد النّزف والسعال والإنهاك ...

-------------------------------------

* تعلمت أن تعلق القلب بنفع أحد من البشر ،
يعرِّض سلامة اعتقاد المرء للخطر ...
وعلمت أن الطب والدواء من الأسباب
إن شاء أبطلها أو أعملها العزيز الوهاب .

(3)- وما تشاءون إلا أن يشاء الله...


تقــــول صاحبتنـــــا :-


... فلما فقدت القدرة على الحراك

وبلغ ما بلغني من الإعياء والإنهاك

أراد الأطباء أن ينقلوا لي بعض الدماء

تعويضا عن بعض ما أفقد بسبب هذا الداء

فأبيت ثم أبيت من بنوك الدم الشراء ...

خشية أن أزيد ما بي من البلاء

فاجتمع الأهل والأحباب ، وكذا الجيران والأصحاب

يتسابقون باذلين ما طلب من الدماء ، جزاهم المولى عني خير الجزاء

وبعد جهد و مشقة وشديد عناء ، ظفر الأطباء بالنقي من الدماء

ثم حاول جمع غفير من الأطباء أن ينقلوا لي ولو قطرة من تلكم الدماء

فعجزوا ويئسوا بعد ما بلغهم ما بلغهم من جهد ولأواء ...(1)

--------------------------------------------

(1)- كيف أُحَصِّل ما ليس برزقي ؟!!

 (4)- ألا أيها الليل الطويل ألا أنجلي**بصبح وما الإصباح منك بأمثــــلِ (1)



تقــــول صاحبتنـــــا :-


آهٍ من ليل المريض ، يطول يطول بلا حدود

بالليل تتزايد الآلام (2) ، وتُحاط الروح بالقلق والأسقام

فيفارق المريض كل شعور بالطمأنينة والسلام

أما النهار ففيه نوع فرج واستبشار...

فـكان يسلّيني - نوعا ما - : تردد الأطباء ، و عيادة الأهل والأقرباء :

فمن راقٍ ، ومن سائلٍ ، ومن زائرٍ ...


فإذا جنّ على الكون الظلام ، وانصرف من حولي الأنام

رفعت ناظري باكية إلى السماء ، أكثر المناجة والدعاء :

اللهم منّ علي بالعافية والشفاء ، وأذن اللهم لليلي هذا

بالانقشاع والانجلاء ...

--------------------------------------------------------

(1)- يقول امرؤ القيس:

وليل كموج البحر أرخى سدوله..**علي بأنواع الهموم ليبتلـــــي
فقلت له لما تمطى بصلبــــه ** وأردف إعجازاً وناء بكلكــــلي
ألا أيها الليل الطويل ألا أنجلي**بصبح وما الإصباح منك بأمثــــلِ

(2)- ثم قدر الله وعلمت بعد سنوات أن الله أمتن على العباد
بمادة يفرزها الجسم بالنهار تخفف من الشعور بالآلام
ويقل إفرازها إذا جنَ الظلام ؛ لذا يزداد الشعور فيه بالألم والأسقام .


تقــــول صاحبتنـــــا :-

ولما أسقط في يدي القوم ، وتدني حالي من يوم إلى يوم

قرر الأطباء أن لا يمكنهم الزيادة على محاولاتهم المبذولة

وأعلنوا أن مشفاهم عن تدهور حالتي غير مسئولة

وبعد ستين يوما بالتمام ، تحتم الانتقال من هناك في سلام

فحملوني إلى سيارة الإسعاف مابين دموع و تأسف وهتاف

وكم جرت من العيون العبرات ، والسيارة تشق بنا في سرعة الطرقات

و كنت أطيل من النافذة النظرات ، رافعة بقلبي إلى ربي عميق الدعوات

وفي الأخير وصلنا إلى المشفى العتيد ، يحدونا أمل جديد

ولكــــــــــــــــــــــــــــــن :

هناك بدأ اللقاء بشديد خشونة وجفـــاء ....


تقــــول صاحبتنـــــا :-


كان اللقاء بطاقم المشفى خاليا من المودة والجمال

؛ فقد كان الأهل لسوء حالتي في شديد الانفعال

وقد أنهكني تماما كثير النزف وشديد السعال

واجتمع الأطباء يقرءون تقارير المشفى السابق عن الداء

فطال وطال الانتظار ، حتى انفجر أبي باكيا وأساء لهم المقال

وفي الأخير أذن الله بالفرج ، وأدخلوني في قسم ما نعتوه بالحرج


وهنــــــــــــاك كان العجب العجاب ... و كان موعدا مع أقرب الأصحاب ...


--------------------------------------------------------------------------

* وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ...

- والتقيتُ بـــ ... ســــــامية




تقــــول صاحبتنـــــا :-


وادخلوني قسم الحالات الحرجة ...

فكانت المريضات حولي : مابين غائبة عن وعيها ، أم مدمر كبدها

أو قاصرة كُلاها ، مجلوط دماغها ، أو متضخم قلبها ، أو ...

وكانت ساميتي عليلة رئتها ، لا تتنفس إلا عبر جهاز ملاصق لفراشها

جمعتني بها حجرة واحدة ، فكنت وإياها في معزل على حدة

كانت في السابعة والعشرين من عمرها ، بالكاد أتمت جامعتها

درست الطب ولما تتخصص ، لازمت المشفى لمشقة التنفس

كانت لا تتحرك لقلة جهدها من الفراش ، ولو فعلت فكانت حركتها بمقدار

طول الأنبوب الموصول بالحائط و الجهاز .

كانت ذكية زكية ، طيبة آنسة* و نقية

اجتمعنا ستين ما بين ليلة ويوم ... وكان ما كان من شأننا مالم أنسه إلى اليوم ...

----------------------------------------------------

* من الأنس والإيناس

 - وبكيـــــــنا معا ...



تقــــول صاحبتنـــــا :-


كنت وساميتي الطبيبة في حالة متدنية وعصيبة ..

فتسلت كل منا بصاحبتها ، وحمدت الله على قربها

وكانت ساميتي لا تصلي ؛ فسألتها عن السبب لتُجَلِّي

فقالت : أنا لا أكاد أغتسل تطهرا من الحيض أبدا

والوضوء لكل صلاة مشقة كذا بدا ...!

فقلت : أخيتي لمثلك التيمم حكم ..

ثم بعد أن صلـتْ بكـتْ طويلا ، وقالت : كم أضعتُ من الأيام كثيرا!

ليتني لم أدرس الطبّ ، وكنت درست ما به يسلم القلب ...

ضاع عمري في هدر ، فهل سيطول عمري في القدر ؟!

فشاركتها البكاء ...وكذا تشاركنا سويا الضراء ...



9- و ضحكنا معا .........


تقــــول صاحبتنـــــا :-


أكثر الأطباء من معالجتي بالحقن في الوريد والعضل

محاولة منهم للحد والتخفيف ؛ من كثيرة الدماء المفقودة بسبب النزيف

فكانت الممرضات يحقنني بكثرة ، ويستسهلن الحقن في العضلة

وبسبب ما في يوم ما أصابني خُرَاجٌ(1) بتقدير من الإله

فأصابتني بسببه حُمّة ، وكانت تؤلمني في الفراش أدنى حركة

فكانت ساميتي تواسيني ، وتحاول في مصابي أن تضحكني علّها تسليني

فقمتُ لحاجة ومررتُ بجوار فراشها ، فداعبتني بضربة خفيفة من كفها

فأصابت بلا قصد موضع الألم ، فصرختُ وانفجر بركان من القيح كالحمم

فهبتْ إلى نجدتي ، وقد أفزعتها دموعي وشدة لوعتي

فكشفتْ طبيبتي عن المكان ، وهالها من شديد القيح ما كان ...!!

فأسقط في يدينــا ، وقد بَعُـد الباب وأُغلق كالعادة علينا ..

فرفعتْ عن فمها وأنفها كمامة التنفس ؛ لتصرخ وإياي : الغوث الغوث

صرخنا وهذا حالنا ، حتى انقطعت أنفاسنا ، و بُحّ من الصراخ أصواتنا..

والعاملات عن الصرخاتنا منشغلات غافلات لاهيات ..

وفي الأخير : ساق الله إحدى الممرضات ؛ لا إجابة لصراخنا بالذات

وتولت الأمر ، وحضرتْ كبيرة الممرضات على الفور ..

فلما عاتبناها ، اتسعت من الدهشة عيناها ، ثم قالت كلمات مفداها :

أنتما أفضل الحالات ما شاء الله ، تبارك الإله
فكيف ننشغل بالأفضل عن الأسواء ممن سواه !!!

فتبادلتُ وساميتي النظرات ولم نستطع أن نكتم ما غلبنا من الضحكات !!!


------------------------------------------------

(1)- ( والخُرَاجُ: ورَمٌ يَخْرُجُ بالبدن من ذاته، والجمع أَخْرِجَةٌ وخِرْجَانٌ. غيره:
والخُرَاجُ ورَمُ قَرْحٍ يخرج بداية أَو غيرها من الحيوان. الصحاح:
والخُرَاجُ ما يَخْرُجُ في البدن من القُرُوح. ) انتهى لسان العرب .


 


10- وحـــدث أن ...

تقــــول صاحبتنـــــا :-

هال كل من رأى الخُرَاج مدى سوئه ...

فأصرّ طبيبي المعالج على ضرورة استئصاله

وحوّلني إلى قسم الجراحة لاختصاصه

فأخبرتني إحدى الممرضات :
أن طبيبا من أهل الكتاب سيراني بعد ساعات

وكنت ساعتئذ بكامل الحجاب ، فانزعجت لاضطراري لجرّاح من أهل الكتاب !!

فحاولت الاعتراض ، فقُوبل الاعتراض بكثير من الدهشة والامتعاض

وأخذت ساميتي تهون عليّ الحال ، معللة ذلك أنه جائز من باب الاضطرار

فبكيت وقلت : ألا يكفيني غمٌّ وهمٌّ أن الطبيب سيكون رجل ..!

ثم بعد ساعات من الترقب والبكاء والآهات : جاءتني إحدى العاملات

وألقت إليّ الزّي المخصص لإجراء الجراحات :
ارتديه لأنك حُولّت إلى حجرة العمليات

وهنا انتابني الهلع و مسني الجنون ، وأقسمت بالله ألا أرتديه وليكن ما يكون

فلما رأت المسكينة حالتي ، تركتني وذهبت لتحكي للجرّاح قصتي

ثم جاءت وقالت بصوت متردد خائف : فضلا أجيبي الطبيب على الهاتف ؟

فأمسكت الهاتف ولم أشأ البدء بإلقاء السلام

فإذا بصوت قريب بمنتهى السمو والتهذيب : وبعد أن ألقى تحية الإسلام قال
معك الطبيب مصطفى ابن فلان

فسعدت بتحية الإسلام ، وبدأت أتقبل منه الكلام

قال : علمت أنك ترفضين لبس زيّ الجراحة ،
لا عليك البسي ما تشعرين فيه بالراحة

وانزلي فضلا لأطلع على الحال ، علّنا نستغني عن جراحة الاستئصال ؟

فلم أستطع إلا شكره والوعد بإجابة طلبه

ثم تمددت في الفراش وتحت الغطاء كنت بكامل ثيابي : حتى جوربي ونقابي

وأنزلني العاملون في المصعد ، وبعد لحظات وصلت إلى القسم المحدد

وما إن دفع العاملون الفراش إلى الداخل ... حتى صرخت طبيبة بصوت
مستنكرٍ وحافل !!!

ومن قولها ارتجف العاملون : كيف تدخل المريضة بثيابها ..و كيف تسمحون ؟!!

فأوقفها صوت الطبيب : أنا من أمرت ، وبذا المريضة وعدت

فصمتت الطبيبة على مضض ... وقد كنت تحفزت لها بالرد

وكان جمع من الحضور ، فأخذني الطبيب إلى غرفة بعيدة عن المرور

واطلع بحرص شديد على موطن الداء والصديد

ففزع مما رأى وقال بصوت أسيف : لابد من استئصال عاجل عنيف

فبكيت أتوسل بصراحة : والله لا أخشى الجراحة ،
فقط أخشى التكشف ، فالستر من آلامي يخفف ...

فسكتَ برهة ثم سألني في رقة : أأتحملين جراحة بلا تخدير ؟
ثم أضاف بلهجة الخبير : أحذرك بأن الألم ليس بالقليل !

فقلت وقد عاودني الرجاء : نعم نعم نعم أتحمل مهما كان العناء ...

فباشر بالعمل وقد سترني - أكرمه الله - ما استطاع بكل حرص ووجل

وكنت أكتم الآهات ، فقط تحت غطاء وجهي تجري مني العبرات...

وبعد تمام الجراحة قال : حقا أتعجب كيف طِقتِ يا أختنا صبرا !!!

وكنت طوال الوقت أسعل وبشدة ، ثم حين أنهى عمله انتابني نزف بحدة

فأدهشه ما شاهد من سوء حالتي .. فأشرت إليهم أن اصعدوا بي إلى غرفتي

فأعادوني في الحال .. والحق كنت سعيدة بستر الله وحسن المآل

وسعدتْ لسعادتي صديقتي ، وتعجبتْ بشدة من غرابة قصتي

ومازلتُ إلى اليوم أذكر ذلك الطبيب بكل خير ... وأدعو له بتمام العافية والستر...


11- وحـــدث أن ...

تقــــول صاحبتنـــــا :-

تدنت مع الأيام حالتي وسامية إلا أنها كانت تعلم عن حالها
ما جعلها صابرة راضية

علمتْ لكونها طبيبة أن نهاية رئتيها قريبة ؛ فقد عجزتا عن العمل

وفقدت في معالجتهما الأمل ، فقط كانت تتطلع إلى السفر

أملا في زراعة رئة أحد القرود ؛ علّها إلى شيء من العافية تعود

قرر الأطباء بعد عناء وإصرار ، عرضها على لجنة
اختصاصية لاتخاذ ذلك القرار .

و كانت الطامة الكبرى أن تلكم اللجنة في مشفى أخرى

وفي اليوم المقرر ، استعدت ساميتي لما هو مقدر

وجاءت إحدى العاملات ومعها أنبوب للتنفس بالأدوات

- فسألتها سامية : هل تأكدت أن الأنبوب ليست خاوية ؟

- فأجابتها العاملة بنزق : أكيد هي ملآ فلا ينتابك القلق !!

- فأعادت عليها مرارا وتكرارا :فضلا فضلا تأكدي لا نريد ضرارا ؟

- فصرخت عليها في غضبة عجيبة : هذا عملنا أيتها الطبيبة ...!!

فاستسلمت المسكينة ، و ودعتني بنبرة حزينة ...

ومضت المسكينة مع العاملة بذلك الأنبوب ، وكان ما كان من المكتوب ..

وكما توقعت المسكية وقع البلاء ، وفي طريق العودة فرغ الأنبوب من الهواء

وصبغ وجهها باللون الأزق ، وقد اختنقت و كادت أن تهلك

وأسقط في أيدي من صحبها ، فهداهم الله إلى فتح باب السيارة لإخراج رأسها

ثم الإسراع في الطرقات من أجلها ، علّ سرعة السيارة
تساعد على دخول الهواء إلى رئتها

و كانت الطرق مزدحمة بالسيارات ، فاضطر سائق
سيارة الإسعاف إلى استخدام الصفارات

فيسر الله لهم الطريق ، ووصلوا إلى المشفى في حالة من التخبط والضيق

فلما دخلوا بساميتي محمولة ، وإلى الهواء شغوفة مقهورة

بكيت كثيرا على حالها ، و حينها علمتُ لم تملكني شديد القلق من أجلها !!

فنظرت المسكينة إلى العاملة بنظرات حزينة ، تعاتبها انظري لحالي ؟!

فقابلت نظراتها كالبريء غير المبالي ...!!



12- كانت أشهد الله صابرة ...

تقــــول صاحبتنـــــا :-

وانتهى موقف ساميتي بسلام ، ولكنّ يومها لم تستطع الكلام

وعلمت في اليوم التالي قرار اللجنة ، وشعرتُ أن ساميتي في محنة

فلم أستطع النطق ببنت شفة ، بينما كانت متماسكة بشدة

فدُهشتُ لسكون نفسها ، وجميل صبرها ، وقدرتها على حبس دموعها

فقالت طبيبتي لما لمست شديد شفقتي ورأت ما بدا من حيرتي :

لا تراعي لأجلي أخيتي ؛ فلو قدر الله سفرتي ، لكان فيها نهايتي

فدُهشتُ مما قيل ، وطالبتها بمزيد من التفصيل ...

فقالت وعلى فمها شبه ابتسامة : لو زرعوا لي رئة لتملكتني الندامة

لاضطراري إلى تعاطي كل دواء ، يمنع جسدي من طرد الغريب عن الأعضاء

مما سيسبب فقد مناعتي بالكلية : فلا أستطيع مقاومة أضعف الأمراض العضوية

فأتعرض بذلك دائما للأخطار ، وقد يكون الموت السريع في الحال

فجرت دموعي من كلامها ... بينما زاد اتساع ابتسامها

فقالت تسليني وهي أحوج ما تكون لتطميني : غاليتي لا ضير ؛ فأقدار الله كلها خير ...

والمرء يموت وهو صحيح ، ويحيا طويلا من على فراش المرض طريح ...

13- وكنتُ عديمة الفقه ...

تقــــول صاحبتنـــــا :-

وشهدنا رمضان في المشفى ...

وكنت متمسكة بالصوم مهما شق عليّ الأمر

فتعجب الأطباء من تمسكي بالصيام ؛ فلا أحد من مرضى
هذا القسم يصوم في رمضان

والحق لم يعزموا عليّ لأترك الصيام ؛ ناظرين ما ستسفر عنه الأيام

أما أبي الحبيب فقد فرغ فؤاده ، وراجعني كثيرا في الصوم مقررا عدم سداده

فلما أكثر علي الملام والعزم لأترك الصيام ، أوهمته أني لابد سأفطر بالتزام

فلما أخذ مني العهد على الفطور ، انصرف - حفظه الله - في شبه رضا وحبور

ولكنه راقبني في كثير من الأوقات ، فألفني صائمة بإصرار وعناد

فجرت دموعه - حفظه الله - يا بنيتي : تغلبني شفقتي ، فأنت حبيبة مهجتي !!!

فبكيت أستدر عطفه : دعني صائمة علّي لا أصوم بعـــده ...

فزاد بكاؤه - حفظه الله - ويأس من استجابتي لرجاه ...!!!


وفيما بعــــد ... فيما بعـــد كلما تذكرت :

كم أجريت دموعه في كبره ، ولم أرحم بعناد تفطّر قلبه

ندمت على ما أسلفت ، وقلت في نفسي : ليتني برخصة الرحمن أخذت...

ولات حين مندم !!

ولكن هذا حال من عدم الفقه ، يقدم ما يهوى على ما يجدر به والأَوْلى ..!


وكلما قسا على قلبي أحد الأولاد ، تذكرتُ قسوتي على أبي
في صومي وشديد العناد ...

يا الله كم كنت قاسية جاهلة ، أظن أني إلى السداد راشدة و به عاملة !!!

اللهم اغفر لنا ذنوبنا ، وإسرافنا في أمرنا ....

 

14- المنظــــــــــار ...

تقــــول صاحبتنـــــا :-

حين بدأت رحالة العلاج ، طلبا للعافية والشفاء

بدأ الأطباء بمعالجة الصدر ، فلما أن رءوا تدهور الأمر

ذهبوا يبحثون عن علة الداء لعله في البطن

وكما سبق ما نجع في التشخيص لتحديد العلاجات : كل أنواع التحاليل

أو مختلف الأشاعات أو حتى حديث التقنيات...

فقرر الطبيب المعالج ذات نهار ، أن يستكشف الجهاز الهضمي بالمنظار

فأعدوني لذلك في الصباح التالي ، واستسلمت لهم والله عالم بحالي

فلما وضعوني على السرير ، وطبعا بكامل ثيابي ودون تخدير

باشر الطبيب بإدخال المنظار بالفعل

فبدأ - أولا - من الأنف فاستحال عليه الأمر...

أخذ يحاول حتى أدماها ، فلما يئس من شديد ضيقها قلاها

ثم انتقل ليدخل المنظار من الفم ، وبدأت رحلة الشقاء والغم

قيدوا يدي وقدمي بإحكام ، وقد منعوا انغلاق فمي بحلقة بين الأسنان

وكأنني أغرق في سيل من الزبد ، مسلوبة الإرادة ممدة الجسد

هناك ضاقت مني الأنفاس ، جارية دموعي ، مقهورة الإحساس

عفاكم الله مما رأيت ، والله و كأنني من شدة الألم في سياقة الموت !!

وبعد وقت خلته طويلا طويلا ، أعلن الطبيب أخيرا :

نعم نعم : قرحة الاثنى عشر هي موطن الداء ومصدر نزف الدماء ..

حينها لم يبدو عليّ سرور ولا حبور ، ولم أنتبه حتى لجلّ ما يقول ؛

فقد كنت مغيبة الشعور عن المكان والوقت ؛

أسأل نفسي : تُـرى كيف هي سكرات الموت ؟!!



15- فراق مؤقت ..

تقــــول صاحبتنـــــا :-

بعد أن قرروا أن البطن هي مصدر الداء ...

وأعلمت ساميتي بما قرره الأطباء ...

اعترضت وكأنها بوغتت : كيف والنزيف مقارن للسعال ؟!!

أظنهم أخطئوا التشخيص والقال ...!!

ثم لما رأت الحيرة في نظرتي قالت :
و ..و لكن أخيتي .. لا تعولي على كلمتي ،
أتمنى لك الشفاء حبيبتي ..

وجاء الطبيب من الغد ، وأمر برحيلي إلى البيت ...

وبينما فرح الأهل بأوبتي ، كنت أبكي فراق صديقتي ،
وأخذت أبثها لوعتي ، فجرت دموعنا ،وهي تشد على يدي
وهمست : أتمنى لك الشفاء حبيبــــــــــتي ..


وعدت مكلومة الفؤاد ، آملة في تشخيصهم الرشاد

ومضت بضعة أيام ، كانت مثلا للعذاب التام

كأنما الدواء يزيد من الداء ، أنهكني النزف و السعال

وكأن الشفاء محال محال ...!!

فأعادوني إلى المشفى في أسوء حال ...

وعدت إلى نفس الحجرة لأجمل سامية ورفقة

وعلمت أن طبيبتي محقة ، فما زادني خطأ تشخيصهم إلا مشقة 


16- ماذا تشتهين ...؟!

تقــــول صاحبتنـــــا :-

زادت حالتي الأطباء حيرة ، فمع كل العلاجات ما تقدمتْ شعيرة !

فقرروا عمل مسح ذري ؛ ليشخصوا عن وضوح وتجلي

فما زادهم هذا المسح إلا تخبطا ، وكنت لغزا متفردا !!

فأخذوا يجربون كل دواء ؛ عساهم يقاومون ذلك الداء

وزادت حالتي بؤسا ، وامتلأت القلوب يأسا

أما عن الزائرين ، فكانوا حقا مساكين

أرى لمعة الدموع بمآقي الأقوياء ، بينما يفشل عن حبسها الضعفاء

فمنهم من كان يواسيني بالكلمات ، وآخرين يرفعون أكفهم بالدعوات

ومنهم من كان صامتا لا يستطيع الكلام : وبالكاد كان يلقي عليّ السلام

إلا أنهم كانوا مجمعين من قريب أو صديق أو قرين ..
أن يقولوا مودعين بشفقة وحنوِ وصوت حزين :

تـــُـــرى مـــــاذا تشتهـــــين ؟ 

 
17- قالوا مسحورة أو منظورة ...!!

تقــــول صاحبتنـــــا :-

لما بلغني ما بلغني من تمكن الداء ، وفي معالجتي حار الأطباء

قال بعضهم لأهلي : علّها مسحورة ، أو قد تكون منظورة !!

واقترحوا أن يأتوني بالمعالجين ، أو بالذين هم بالرقية عاملين ..

وبدأت رحلة المعالجة من السحر ، ومحاولة الرقية من العين

فكان المعالجون يوصون بكثرة التلاوة ، و الإكثار من الحجامة

واختلف القوم فيما بينهم :

- فمن قائل : مسحورة مسكينة مقهورة ..

- ومن قائل : بل معانة والرقية ستكون سببا في الشفاء والسلامة ..

- ومن قائل : بل هو داء عضوي ، لكن الأطباء عن تشخيصيه في عيّ

ومن قائل : بل هي حالة نفسية ، أفضت إلى أعراض لها عضوية

..........................

ورغم كل هذه المزاعم والأقوال ، التي قارن كل منها ما يناسبها من الأفعال

بقي الداء ولم يتغير الحـــــــــــــــــــــــال ...............!!!
 

  

18 - الجراحة ....

تقــــول صاحبتنـــــا :-

وفي آخر الأمر : قرر الأطباء الاستكشاف بجراحة في الصدر

فبعض الأشعات تظهر شيئا في الرئة اليمنى بالذات

قالت ساميتي لما طالعت الأشعات والأوراق : أحسب أن
في رئتك يا حبيبتي خراج ...

فقلت لها باستسلام : الله المستعان سنرى ما ستسفر عنه الأيام.؟

وفي الليل أعدوني لجراحة الصباح ، فبت ليلتي مؤرقة حتى بزغ الفجر ولاح

أسأل الله الستر والشفاء ، وأن يهون عليّ ما نزل بي من كرب وبلاء

فلما أزف الميعاد ، اضطررت للبس ملابس الجراحات

فجاءات العاملات يدفعن سريري إلى طابق الجراحات

وكانت أمي بصحبتي وأبي وخاطبي و طبيبان من قرابتي

ودفعوا بي السرير في الطرقات، و حوله أقاربي والعاملات

فحرصت أن أجعل الغطاء على وجهي مجللة به جميع بدني

ولما كان الغطاء أبيض اللون ، ظن المارون أن من تحته قد مات للتو

فأخذوا يرددون في رثاء كلمات التسلية و العزاء ، لأمي ومن حولي من أقرباء

فصرخت أمي باكية : لم تقولون ذلك ، فمازالتْ ابنتي باقية ؟!

وهوت بيدها - حفظها الله - لتنزع الغطاء عن وجهي بلا تحفظ أو أناة..

فتمسكت بالغطاء أتوسلها بصوت غلبه البكاء : أمي اتركيني فضلا برجاء ...

وانخرط أبي وخاطبي في البكاء ، وأمسك بيدي أمي الأقرباء ...

فاستسلمتْ واكتفتْ بالنشيج والبكاء والدعاء

وفي الأخير :

و صل الركب إلى المصعد ، وهبط بنا إلى المكان المحدد

فأخذت أتأمل في المكان ، و قد حضرني ما حدث فيه من بضعة أيام ....


19 - انتظـــــار قاتــــل ...!!

تقــــول صاحبتنـــــا :-

و صل الركب إلى المصعد ، وهبط بنا إلى المكان المحدد

فأخذت أتأمل في المكان ، و قد حضرني ما حدث فيه من بضعة أيام ....

ففي ذات صباح للجراحة أعدوني ، وفي ذات المكان أنزلوني

ووجدت عدة أَسرِّة مصفوفة في ذات المكان ، كل ينتظر بقلق و ترقب تام

وكان الأطباء للجراحات يجرون ، ولمن حان دوره ينادون

وبقيتُ أنتظر هناك ، لساعات وساعات ، يعلم ربي كيف كانت
تمر عليّ الثواني واللحظات ... ما بين ترقب والتفات ..

أحدث نفسي : لعلك التالية ، صبرا فالصبر عاقبته غالية

وأخذت أسأل الله أن يرزقني جميل حلم من لدنه وطيب أناة

حتى إذا جن الظلام ، ومازلت في نفس المكان ، جاءنا هذا الإعلان :

على كل من ينتظر في هذا المكان ، المغادرة إلى غرفهم الآن ...

فلما سمعت من الطبيب ما قال ، و قد كنت فقدت القدرة على التصبر أو الاحتمال :
صرخت أستنكر : أما هذا فلا .. ( لا حول ولا قوة إلا بالله !! )

فتعجب الطبيب من صرختي وشديد بكائي وكبير غضبتي !!

ووجه إلى أبي السؤال وهو مستنكر : لم بالصراخ هذه تجهر ؟!!

فبادرته من تحت الغطاء ، وقد غلبني شديد البكاء :
أهذا يرضي الملك الجبار : من الصباح حتى المساء
في قلق شديد وقاتل انتظار !!!

فقال بصوت كله جفاء بل عداء خلا من المودة والصفاء :
يا هذه أتظنين أنت بالذات أن في جراحتك تلك الشفاء !!!

فأجبته بقسوة و صوت يغلفه الألم و الشقاء :
أعلم أنها محض جراحة للاستكشاف
ألا ترى أن ذلك أكثر مدعاة للشفة والاسترءاف
عكس ما تبدي سيادتك من كبير استعلاء وغريب استخفاف ؟!!

وأتممت وقد زاد البكاء :
أعلم أنها ليست دواء ، بل قد يزيد ألمها ما بي من الداء ...

وأسكتني شديد السعال ، وما أعقبه من دم سيال
وأعادوني إلى غرفتي ، لتواسيني رفيقتي ...



20- ومن الجراحة المحددة إلى الرعاية المشددة ...!!

تقــــول صاحبتنـــــا :-

أفقت من لجة الذكريات ، على صوت إحدى الممرضات :

- هلمي إلى حجرة الجراحات ...

فما إن دخلت ، إلا وسقطت أمي على الأرض

فقدتْ الوعي ، وما ادخر قريباي الطبيبان في إفاقتها من سعي

أما أبي وخاطبي : فكانا إلى الحائط يستندان ، يدعوان ويبكيان ..

أذكر أني قبل أن أُخدّر : أخذت في خفية أستغفر ، و للشهادتين أكرر..

و تقريبا استمرت الجراحة ثلاث ساعات ، لكني لم أفق إلا بعد ساعات وساعات

أول ما انتبهت له ما يصدر عني من أنّات ، وسمعت أحدهم :
لا تراعوا فمازالت غائبة في سبات

فأردت أن أتحسس بدني لأتأكد أنني مستورة ؟

فراعني كثرة ما أوصلوه ببدني فكنت على الثبات مجبورة ..

فلما أردت مع القوم الحديث ، راعني أن فمي تحت كمامة التنفس حبيس

فبكيت لما غلبني السعال ، ووجدت ألما شديدا له في الحال

وانتبهت أمي على صوت السعال والبكاء ، فاقتربت وقد لمعت عيناها بالرجاء

- حبيبتي : هل أنت بعافية ؟

- فأجبتها من أسفل القناع : استريني يا أمي الغالية ...

- فقالت تحاول معي الاقناع : والله أسترك قدر المستطاع !

وها أنا أرافقك في الرعاية المشددة ، رغم قوانين المشفى الرافضة

بفضل الله قبل الأطباء شفاعة طبيبينا الأقرباء ...

فلما زاد بي السعال ومن ثمة زاد ألمي عن الاحتمال ،

- قلت في رجاء :أمي استدعي أحد الأطباء ، عله يعطيني ما يجعل الألم يُطاق ...

فجاءني طبيب الدوام الليلي : وأعطاني ما به غبت عن وعيي ..

وفي الصباح أفقت على ألم مبرّح ، وكنت بذا للطبيب أصرح

فلكل حركة يسببها السعال ، آلام في كتفي تفوق الاحتمال ..!!

وسأعافيكم من وصف كيف اخترقت بعض الأنابيب أضلاعي و صدري

لتخرج ما ينتج من دم وقيح عن جرحي ...

فلما شكوت لأمي شديد همي لاضطراري كشف وجهي وبعض من
جسدي ...

- دهشت وقال معاتبة : إذن أنت عن فضل الإله غائبة !!!

- ألا ترين تعرّي من حولك !! ألا تحمدين الله على وضعك !!

فلما نظرت حولي وتفكرت في أمري ، أقررت في نفسي
بأنه مهما كان ثوبي ، فهو ستر عليّ من ربي ...


21- وافترقنا في نفس المكان ..

تقــــول صاحبتنـــــا :-
قضيت بعض الوقت في الرعاية المشددة ، ثم وضعوا عني كل الأجهزة

إلا ما كان مخترقا للأضلاع والأنسجة .

وبفضل الله عادت رئتاي للعمل ، فقرروا انتقالي لإحدى الحجر

إلا أنهم أرسلوني إلى قسم يتناسب مع حالتي ، غير القسم الذي فيه رفيقتي

فشق عليّ غيبتي عليها ، وقد زاد شوقي وحنيني إليها

وكلانا لا تستطيع زيارة رفيقتها ، فأنبوب التنفس كالقيد لها

بينما أعجز عن موافاتها ، فكانت أمي تطمئنني عليها

وتنقل منها السلام وكذا إليهــــــــــــــــــــــا .

وبعد عدة أيام لا أذكر عددها ، تحايلتُ بكل حيلة حتى أخذتني أمي عندها

وكم سعدنا باللقاء في جو من الألفة والوداد والنقاء ...

و كنت فيما بعد أزورها غبّا ، فقد كلفت بها - رحمها الله - حبّــــــــــــــا ..

22- الســــــــــــرّ ....!!


تقــــول صاحبتنـــــا :-



بعد أن استرددت كامل وعيي ، أخذت أسأل كل من حولي

من أهل أو ممرضات أو أطباء : ترى ما ماهية الداء ؟ !

فلما لم يشأ أحد منهم بعد الجراحة ، أن يجيب عن تساؤلي بصراحة !!

وقد كنت سمعت قريبيي من الأطباء يناشدان الجرّاح في رجاء :
فضلا هذه موافقتنا على أن الاستئصال لما تراه مباح ؛
حتى نجنب المسكينة آلام إعادة فتح الجراح .

فلما أفقت ومازال بي السعال ، واستمر النزف كما كان قبلا الحال

فضلا عن رداءة إغلاق الجرح ، علمت أنني لابد معيدة للترح ...

فكنت أبكي من الألم ، ليس على ذات الألم ؛ ولكن لاضطراري تكراره كما بذا عُلم ..

ولست والله بالتي تشكو مما يحتمل ، ولا تسخط ما جرى به القدر

ولكن كان الله أعلم بحال ، فقد كان ما يحدث لي فوق احتمالي ...

فكنت أكثر من البكاء في صمت ، وقد أشفقت على نفسي وما به أُصبت...

ولا تنسوا فقدي الدعم من صديقتي ، متنفسي رفيقة محنتي !!

كنت أسأل أبي : ما قال الجرّاح ، وبما تراه لكم باح ؟!

فكان يداري في جوابه وهو يحاول منع هطول دموعه

وكذا فعلت أمي وخاطبي حتى الطبيبان من أقاربي ..

فلما ألححت بالسؤال : لم ترك الجرّاح الداء دون إزالة أو استئصال ؟!!

أجمعوا على أنه أراد تحليل عينة ، وقال بضرورة ذلك قبل أن تصير الإزالة ممكنة .


وقالوا يطمئنونني : لا تراعي فذلك إجراء راتب أمني .

هو خرّاج بالرئة على غير المتوقع ، احمدي الله ، واتركي عنك القلق بترفع

والحق أني كنت تواقة النفس إلى الفرْح ، فقبلت كلامهم بلا تشكك أو قدح

ومتأخرا جدا : علمت أن الجميع كانوا يعانون من شدة القلق ، بينما أنا في غفلتي أغرق !!

و ...................
23- البشـــــــــــــــــــرى ....

تقــــول صاحبتنـــــا :-

وبعد عدة أيام إذا بالأهل و الرفقاء و الجيران جميعا يحضرون

سعداء يهللون وبالسلامة والعافية يهنئون !!

- فسألتهم بعجب : يا قومنا ما الذي جدّ وما السبب ؟

- فبكى أبي وقال يا أغلى البنات : حمدا لله الذي بنعمته تتم الصالحات...

- فلما رأى ما بي من حيرة أتم - حفظه الله - لك البشرى بنيتي لك البشرى !!

- فقلت بم تبشرون ! ألا تتفضلون عليّ وتُعْلِمون !!

- سكت أبي هنيهة يتدبر ثم بدأ الكلام بعد أن قرر :
بنيتي لقد كادت قلوبنا عليك تتفطــــر
حين أعلمنا الجرّاح بما ظن عن دائك وفكرّ :
قال أنه حين رأى ما أصاب الرئة ظنه نوع من الورم ،
لذا لم يستطع استئصاله إلا بعد تحليل وجـــزْم ...

- ثم أمر بتحليل العينة في عدد من الأماكن المعينة
حتى يكون من الأمر على بينة ، وعسى النتائج تكون
على عكس ما بدا له مطمئنة ..

- ولم نشأ إعلامك ، حتى لا تقلقي ويتكدر بالك
وبقينا في انتظار وقلق هائج ، حتى منّ الله علينا بأفضل النتائج ...

- وكنت أستمع إليه ودموعه تجري على خديه ، وقد تحرك قلبي شفقة لا عليّ بل عليه

وعندها لهجت بالحمد لله كثيرا ، وكم وددت أن أسجد لله على الأرض طويلا

إلا أنني كنت لا أستطيع ، لذا اجتزأت بخشوع قلبي للسميع...

وكم رق قلبي على جميع من حولي ؛ كم عانوا- أكرمهم الله - من قلق لأجلي ...


24-وانتقلت سامية ، وبقيتُ في انتظار الجراحة التالية ...!!



تقــــول صاحبتنـــــا :-


كان الداء خرّاج بالرئة بذا تملك الجميع العجب ؛

العجب لأن : أعراض المرض عندي خالفت كل ما سُطر في الكتب !!

فصار ينبغي أن يسارعوا بإجراء الجراحة التالية

قبل أن تلتئم الجراح الحالية ، وإذا بهم يُنظرونني أياما كثيرة متتالية !!

فلما تعجبت وللطبيب سألت ، قــــــــال :

- اختلفت المشفى مع الجرّاح ، وهناك محاولات للإصلاح

- فلما سألت بدهشة : ألا يوجد غيره في هذه المشفى !!!

- قال برأفة واحتواء :
هو من باشر بالجراحة في الابتداء ، فلا أنسب منه ليتم عمل الانتهاء.

وطال انتظاري ، والله سبحانه أعلم بحالي :

والله ما تركني في الليل والنهار سعالي ، وذلك النزف الذي دائما ما كدر بالي

أما عن آلام الجرح غير المنغلق بدقة ، وفقدي ساعتئذ لدعم أفضل رفقة .....

كذا كنت أتحرك بالكاد ، فترتعش ركبتاي إذا مشيت خطوات

وكانت إحدى أخواتي تحممني ، والأخرى ترجلني ...

فشعرت أني عبء على الجميع ، وهذا لعمرى شعور مؤلم ومريع !!

ومما زاد حزني ووحشتي ، أن انتقلت من المشفى صديقتي ..

فطالت الليالي وثقلت عليّ الأيام ، وازداد شعوري بالحزَن والسقام

و بعد شهرين من الانتظار ، جاءتني من تحمل الأخبار

قالت : أبشري ؛ ستقابلين الجراح هذه الليلة وليس في الصباح ...

فتملكني شعور بقرب الفرج ، أفقدنيه الجرّاح بكل قسوة وحرج ...!!
25- لن نجري الجراحة ...!!


تقــــول صاحبتنـــــا :-


واجتمعت بالجرّاح الجديد ونائبه المعالج العتديد ،
وكنت بفضل الله ذات وعي لحالتي شديد

فلما نظر الجرّاح الجديد التقارير ، وأخبره عن تفاصيل حالتي نائبه الخبير

- أطرق طويلا ثم ناقش نائبه كثيرا :
حقا كانت الجراحة لنجاح التشخيص دليلا ، إلا أننا سنباشر بالعلاجات ،
دون أن نضطر لحجرة الجراحات ...

- وسمعت ما قال ووعيته ذاهلة ؛ فلم أطـق صبرا فأسرعت قائلة :
فضلا اسمحا لي بمداخلة ؟

- فأذنا لي بـعجب ، فعارضت ما سمعت بكل منطق وأدب :
سيدي قد جربت بالفعل كل العلاجات من ستة أشهر دون تقدم أو ثبات !!

- فقاطعني الجرّاح : نعم ولكن هذا كان قبل التشخيص بفلاح !

- فأجبته بتصبر وصراحة : سيدي منذ شهرين تمت بالفعل الجراحة
وتناولت كل العلاجات الحديثة والمتاحة ، فلم تحقق و لو يسيرا من الراحة !!!

- فأجابني لم تصرين بنيتي على الجراحة ،
إنها خطرة جدا إن أرت كامل الحق والصراحة ؟!!
سنفسخ الأضلاع والقفص الصدري ، وستستغرق الجراحة
طويلا في رأيي ...!!


- ففاجأته بالقول : ألم أخض شبيهتها من قبـــل !!

و بينما كان وقع كلامي على وجه الجرّاح سالبا ،
تيقنت مما ارتسم من موافقة على وجه نائبه
أن كلامي كان حقا صائبـــــا .


- فقال الجرّاح عذرا فما زلت أقول ،
أن المباشرة بالعلاج أولا أمر معقول .

فلما شعرت أن التحاور غير مجدٍ ولا مقبول ،

قمت مقهورة أروم إلى حجرتي الوصول ...

جارية دموعي أقول : اللهم منّ على أمتك بشفاء عاجل مأمول ... 



26- وتركتُ خاطبـــي ...!!

تقــــول صاحبتنـــــا :-

ضاقت علي الأرض بما رحبت ، وأثقلها ما مر بها وما حَملت !

فما عدت أطيق الكلام مع أحد ، ودوام وقتي أبكي للرب الصمد

وكان هذا لضغوطات غير ما صدر عن الجرّاح من قرارات :

فقد خضت مع خاطبي مشكلات ، تزامنت مع ما مرّ بي من ملابسات

ويحسن أن أقص عليكم ما حدث من البداية ؛ لتعلموا كيف تسلسلت أحداث الحكاية

قد كنت قبل أن أمرض لزواجي الوشيك أستعد ، وكان ذلك قبل سبعة أشهر بالعدد

وقد كان خاطبي أحد الأفاضل ، نعدّ لعرسنا بجد و بلا أدنى مشاكل .

فلما حدث أن مرضت وبعد شهرين بالعدد ، عرضت عليه انهاء الأمر والترك

فقد أشفقت عليه من الانتظار ، وبخاصة بعد حيرة الأطباء وما قد صار

فتمسك - أكرمه الله - بالبقاء ، و رفض أن يتركني بإيباء !!

وكان كل يوم يأتي إلى المشفى ؛ سائلا عن الأخبار راجيا الله أن أشفى .

وكم أجللته لموقفه الكريم ، وما رأيت منه إلا كل خلق رائق و سليم !

وكم أهداني - أكرمه الله - من محارم ورقية ، وغيرها وغيرها بسخاء ونفس رضية !!

فكانت أفعاله - أكرمه الله - داعمة ، ولم أجد عليه حتى ذات يوم لائمة .

ففي صباح يوم من أواخر أيامي في المشفى الأول :

أعلمتني طبيبتي بضرورة نقل بعض الدماء للرقي بحالتي ..

وكانت طبيبة دمثة الأخلاق ، أعددتها من ألطاف الرزاق

ظللنا على تواصل بعد أن تركتُ مشفاها ، تسأل عن حالتي وترعاها

تبغي وجه الله مولاها ، أحسن الله إليها ورعاها .

قالت لي تلك الطبيبة وقد كانت من نفسي قريبة :

ستحتاجين إلى بعض الدماء ... ؟

فأجبتها :لكن ... ليس من السوق برجاء ...؟

قالت حفظها الإله : الحق معك ، انظري فصيلتك ، ثم أحضري ثلاثة من قرابتك ..

فقلت بيسر و سلاسة : أظن أن خاطبي أحد هؤلاء الثلاثة ...


27- موقف عجيب ...!!




تقــــول صاحبتنـــــا :-



حين طلبوا مني دماء مطابقة ، كان خاطبي أول من تذكرت أن دماءه موافقة

و في وقت الزيارة أخبرت الجميع ، فعرضوا التبرع بشكل مرحب وسريع

و كان خاطبي - على غير عادته - صامتا ، ولم يشارك في الحوار بل ظل في معزل جامدا !!

وبالطبع لم أبادر بإخباره أني سارعت بعرض اسمه

وحتى انصرف وأنا أترقب منه أدنى بادرة ، و حقا كنت من ردة فعله تلك حائرة !!

فلم يشارك في الكلام ، حتى ألقى حين انصرافه المبكر السلام !!

وتركت أبي وجمع من جيراني وأقاربي ، يتناقشون كيف سيلبون حاجتي ومطلبي ؟

وفي الصباح حضر جمع من الجيرة ، فضلا عن بعض الرفقاء والأقرباء ،
كل يسابق إلى التبرع بالدماء ...

كانوا - جزاهم الله خيرا - عشرة أفراد وفوقهم ثلاثة ، بينما احتاج الأطباء - فقط - إلى ثلاثة

فانصرف العشرة وكل منهم يبدي التحسر ، فهون أبي عليهم بقوله :
إن الله على طيب نوايكم يأجر .

وكنت أوصيت أبي ألا يترك أكياس الدم بعد التبرع ، خشية أن تستبدل دون أن يشعر .

فعمل أبي - حفظه الله - بالنصيحة ، وهدد إن قربها أحد أن يحدث له فضيحة !

وفي الأخير : أحضرها أبي في حبور ، بينما تخلف خاطبي لأول مرة عن الحضور !!!

28- ووجدت عليه ...




تقــــول صاحبتنـــــا :-


ظللت أعمل الفكر ، تُرى ماذا حدث ؟ وما جد من أمر ؟!!

أولا التزامه الصمت ، ثم عدم متابعته للأمر !!

فظللت أبكي وحدي ،حتى حضرت أمي ...

فسألت بلهفة : بنيتي ماذا يبكيك ؟! رجاء يكفيك ما فيك !!

فقلت لها فضلا اجلسي بجانبي ، ثم أعطيتها ما نزعت من حلي أهداه لي خاطبي

فنظرت - حفظها الله - في دهشة ! فبادرتها : رجاء لا أريده ألبتة ...

قالت : بنيتي ارعوي ، ماذا فعل الرجل فضلا اروي لي ؟!!

قلت بعجب : حقا ... ألا تعلمين السبب ؟!!

قالت بنيتي أعلميني فضلا اهدئي وناقشيني ؟

قلت باكية : ألم تري أولا كيف صمت ، ثم حين الجد مع القوم ما وُجد ؟!!

وهنا زاد علي السعال ، وكثر نزفي من شديد الانفعال ...

قالت وقد فزعت : لعل له من عذر ، صبرا حتى يأتي ويتجلي لنا الأمر !!

ثم هبي أنه أخطأ عمدا ، ألا يشفع كل خير قدمه سابقا !!
ألم يزدد بك بعد مرضك هذا تمسكا !!
ألم يصبر على تأخر العرس ، ألم يجمع بيديه من على الأرض النزف !!
لا تكوني جاحدة ، فقد علمتك دينة وللجميل حامدة ...
ثم أضافت وهي تبكي : - بنيتي - ضعي في الاعتبار ما سيقال :
تركها لما يئس من الشفاء وتغير الحال ...

تقبلت من أمي كلماتها التي شفعتها بساخن دموعها ...

ثم حضر أبي وشيخ من أقاربي ... وسمعا بالحوار ، فأيدوا أمي بذا القرار


فسكت ولما قرروا خضعت ولكني - للحق - قد أضمرت في أعماقي عليه
شديد وجد ...


29- المصالحة .......!

تقــــول صاحبتنـــــا :-

وحضر خاطبي ولم يقدم بين يدي حديثه عذرا .. !!

فلما استشعر من جانبي غضبا ، وجه إلى والدّي سؤلا !

فأخبرته أمي لمَ أنا واجدة وغضبى ...

- فقال بدهشة : فمن مثل التبرع بالدم تصيبني الخشية !!

- فلم أستطع إلا المداخلة وأسرعت قائلة :
كان يمكنك - بكل بساطة ويسر - إبداء ذلك العذر
و بلا شك كنا سنراعي ذلك الأمر ونقبله بلا عتاب ولا لوم ...
فما وجدنا إلا من التزامكم الصمت ...!! ثم تغيبكم الذي أثار عجب القوم :
فمنهم من تعجب وسكت ، ومنهم من سأل عن السبب ..!!
فقط كان يجزئك محض التواجد والحضور ،
أما عن التبرع فلست بمضطر ولا مجبور..!!

- فقال يتعجب : ولم الحضور !! ألم تسر بخير كل الأمور !!

- فلما ساد بعد قوله هذا الصمت ؛ أضاف لينتهي هذا الأمر :
على كل حال لم أتعمد ، ولكل من حضر أو تبرع نحمد .

ثم أعقب قوله بإخراج تحفة من جيبه ؛ يشفع بها ما قدم من عذره ..

- هنا تدخل أبي في الحوار ، بعد طول صمت وانتظار :
لا عليكم فإن الأمر يسير ، وأرجو عدم إضافة شيء لما قد قيـــــــل ...

والحق بقي في نفسي شيء عليه ، لا بسبب الخشية كان الوجد
بل لطريقته في معالجة الأمر ، وتمريره إياه بكل عفوية ويسر ...
ماذا لو لم يكن معي أبي ، أكان في مثل هذا الموقف تاركي ...!!

وأفقت من لجة الأفكار على ذلك الاستفسار :

- وما فعل الأطباء بتلكم الدماء ؟

- فأجابت أمي :
لم يفعلوا شيئا بعد ، أظن أنهم سيعطونها إياها اليــــــــــــــــــــــــــــــــــــوم ...



30- وزاد الوجد ...........!!

تقــــول صاحبتنـــــا :-

وقبيل المساء ، حضر بعض الأطباء ؛ ليباشروا بإعطائي الدماء

فظلوا يحاولون ويحاولون وعليّ يتناوبون !!

ولساعات كل وريد يجربون ، ولكن قطرة دم واحدة ما أعطون !!

وفي المآل أعلنوا أن انتفاعي بتلك الدماء محال ...

فحمدت الله على ما انتهى إليه أمري ، مؤمنة أن من المحال أن أحصّل ما ليس برزقي ..

فملأ قلبي الرضا ، وفي قولي وعلى محياي - بفضل من الله - بــدا

وفي اليوم التالي ، سارع الجميع يسألون عن حالي :

ما فعل الأطباء ؟ و هل أخذتِ الدماء ؟

فلما قصصت ما جرى وأنا راضية غير متأثّرة

حمد الجميع الإله ، متقبلين قضاه

وإذا بصوت طرب فرح : يحمد الله في مرح ...
أرأيتِ كيف حفظ الله علي دمي !!

فكأن كلماته سهام صائبة ، أحالتني حزينة خائبة ...
فأضمرتها وكان لها أثر بالسلب : شديد انكسار قد أصاب القلــــــــب ..


31- سبحان الله : من قسوة إلى رأفة .......!!

تقــــول صاحبتنـــــا :-

ومر على ما حدث حوالي أربعة أشهر ...

ثم شاء الإله أن ذات الموقف يتكــــــرر ...

فبعد إجراء الجراحة ، وتشخيص الداء بوضوح وصراحة

وحين كنت في انتظار الجراحة الثانية ، قال لي النائب القرارت التالية :

- نحن بحاجة إلى دماء ساخنة ، حين نجري الجراحة الثانية

نريد أكثر من فرد أختنا الفضيلة ، يتطابقون معك في الفصيلة

و بعد التأكد من صلاحهم ، ونقاء دمائهم ، يتواجدون وقت الجراحة بأعيانهم

لنأخذ منهم وننقله في الحال إليك ، فأنت بحاجة إلى دماء ساخنة لا أخفي عليك !

نعم قد لطف الله بك إلى الآن ، فأنت بحاجته الماسة - كما تعلمين - منذ زمان !!

وكان بحق بادي الرأفة والاهتمام ، على عكس ما سبق وكان !!

من يصدق أنه نفس الطبيب ، الذي ردني بقسوة من قريب !! (1)

فقلت له : إن شاء الله نحاول تلبية ما تطلب ، أكرمك الله على ما تنصح به وتتعب ..

فابتسم بشفقة و حياء ، ثم دعا لي بتمام العافية والشفاء ...

وأضمرت في نفسي لخاطبي اختبارا ، على أساسه سيكون اختيارا ..

---------------------------------------------------

(1) تذكرون ذلك الطبيب الذي أعلن تأجيل الجراحة
وناقشني بقسوة في الباحة . في مشاركتي (78) بعنوان :
19 - انتظـــــار قاتــــل ...!!




32- فلما كرر تقرر ...!

تقــــول صاحبتنـــــا :-

فلما حضر الجميع إلى زيارتي ، أعلمتهم بخبيئتي ...

وقصصت عليهم كلام الطبيب من البداية ؛ ناظرة منهم التعليق في النهاية .

ووجهت إلى خاطبي السؤال : ما ترى في ذلك الحال ؟

فأجاب - أكرمه الله - : بورك فيمن سبق وجاء ...

ثم التزم بعدُ الصمت ، معرضا عن المشاركة في مناقشة الأمر ..

فلما كرر ما أخشاه ؛ أضمرت مفارقته بلا تردد ولا أناة .

فلما خلوت بأمي ، أخبرتها عن عزمي ، فسارعت - كعادتها - إلى لومي !!

فبكيت وقد فقدت كل قدرة على الاحتمال : والله لأتركنّه في الحال...

فطفقتْ تذكرني بما سيقال ، فصرختُ ولم أفسح لها المجال :

أمي لا يعنيني ما قيل أو يقال ، ما عدتُ أتحمل تلكم الأثقال..!

وأسكتني شديد السعال ، ونزف صاحبه بطبيعة الحال ....

فما إن استطعت إلا وأتممت : بالله قولي لم أحبسه ، مادمت مضمرة تركه !!

نعم قد أكون بسبب المرض شديدة التحسس حتى من الهواء الذي أتنفس !

إلا أنني أشعر بشديد نفور ، لا أستطيع معه التريث أو القبول !

والله لم أر منه إلا الخير كله ، ووالله لا أجحد صبره وفضله .

ولكن لعل الخير في المفارقة ، رزقه الله زوجة صحيحة موافقة .

صاحبت حروف كلماتي الدماء ، وجرت دموع عيني بسخاء

فقالت بعد أن رق قلبها عليّ : أرجو ألا تندمي يوما بنية !

فقلت وقد خف عن نفسي الألم : لله في شأنه حكم :

قدر الله بهذا المرض الفراق ، فسبحانه لم يجعل بيننا وفاق .

ردي عليه هداياه ، و أعلميه أني عليه غير واجدة و لكريم ما قدم

غير جاحدة ، رزقه الله الخير حيث كان على مرّ الزمان والمكان ...

فلما أعلموه بذلك ، لم يوافق - أكرمه الله - أبدا أن يفارق !!

وقال : أعلموها أن القرار في هذا الوقت ليس بالصواب !!

إلا أنني أغلقت إلى المراجعة كل نافذة وباب !!

وفقط حينها ملأ نفسي شعور بالطمأنينـــة و السلام ....

ووالله ما انتابني يوما على ذلك ندم أو ملام

فلم يكن بيننا رزق ، كذا قدر الإله الحق ...

   33- إلى مشفى جامعي ...!!

تقــــول صاحبتنـــــا :-

وكان ما سبق محض نبذة عما كنت فيه أغرق

فصرت إلى الحزن أقرب ، ومن الحديث مع أيٍ أهرب

فبعد منع الجراحة ، ما عدت أهنأ براحة ...

ما عدت أملك دمعي ، فحزن أهلي لأجلي ..

وذهبوا إلى الجراح الأول خارج المشفى ، وسألوه :
هل يمكن بلا جراحة أن تشفى ؟

- فقدم بقوله - أكرمه الله - :
كل شيء بمشيئة الإله ، ثم أكد بشدة أن لا ،
وأنه لا سبيل إلا الجراحة حسب ما يراه ...
وأضاف : الحق ستسوء حالتها مع التباطؤ والأناة ...

- فسألوه : و كيف السبيل ، وما العمل ؟!

- فأجابهم : إنه في المشفى الذي أنا فيه لم يعد يعمل
و لكن ...يمكنكم - إن شئتم - أن تأتوني بها في المشفى الجامعي ،
حيث أدرّس هناك وأباشر عملي ...

فبرق لأهلي بارقة من أمل ، و نقلوني إليه على عجل ..

وأيضا : حملوني في سيارة المشفى ، إلى حيث يأملون لي أن أشفى

تركت المشفى الثاني ، بعد أربعة أشهر حواني ...

وانتقلت إلى مشفى عتيد جامعي ، وهناك كم من عجب حدث معي ... !!


34 - وكانت البداية غير مبشرة ..!!

تقــــول صاحبتنـــــا :-

أجلسوني في ساحة الانتظار ، حتى انقضى نصف النهار ..

وأخيرا جاء الطبيب النائب ، ليباشر باتخاذ القرار الصائب ..

فلما رأني بكامل الحجاب ، ارتسم على محياه تعبير عجاب !!

فلما أراد أن يباشر بالفحص ، أبيت لعدم ضرورة الأمر !

- وبادرت أعتذر منه وأقول : كل شيء في الأوراق مسطور !!

- فقال بغضب عظيم : يا هذه ما كل هذا الذي ترتدين !!
أما تعلمين أنك من كل ثيابك حين الجراحة ستجردين !!

فكانت كلماته مؤلمة بل وقحة صادمة !!

فاستثارني بشدة ، ولم يخلُ جوابي عليه من قسوة وحدة ..

- قلت أعلم بكل تأكيد ، والله على اضطراري حينها شهيد ..
أما الآن فلست مضطرة إلى تكشّف يسير أمام كل من أراد أن يقف أو يسير !!

- فزاد تغيظا وسأل : ترى ما سيكون معك العمل ؟!!

- فباشرت أخبره على عجل :
مقدار الحرارة ، ومعدل الضغط ، وحالة الصدر ..
و كذا ذكرت له تشخيص الداء ليس بالعربية بل بلغة الأطباء..

- فدهش و سأل : هل أنت زميلة !!

- فقلت : لا لست بتلك المرتبة الجليلة..

- قال : إذن مازلت للطب تدرسين !!

- فقلت : إن هذا لا يكون ..

- فقال : لعلك ممرضة أريبة !!

- فقلت : بل مسكينة وغريبة ...

فصمت طويلا غير راضٍ ، ثم قال كأنه قاضٍ :

- مكانك في قسم كذا ... وابتسم بقسوة كذا لي حينها بدا.. !!

فلما توجهت للمكان المحدد ، تملكني شعور أنه للتبسم يقصد ...!!

ثم استغفرت الله من سوء الظن ، وبدأتْ رحلة الشقاء والهـــــــــــم ..!!


35- لقاء مع صوفية قبورية متعصبة ...!!

تقــــول صاحبتنـــــا :-

فلما دخلت القسم المراد بطاعة ورضا ، راعني كثرة الأسرة فيه و المرضى


فلما استقر بي هناك المقام ، بعد أن ألقيت على الحاضرات السلام


إذا بصاحبة الفراش المجاور ، تتطلع إليّ بفضول و تحاور ..


بعد أن رأيتها تهمز وتلمز ، على ما أرتديه من حجاب و لبس ..!!


سألت بلهجة قروية متحكمة : أين تسكنين في هذه العاصمة ؟


فتعجبت من هذه الحشرية ، وحاولت إجابتها بنفس رضية


فلما سمعت العنوان ، لمعت عيناها بحبور وافتتــــــــــــان ...


ثم واصلت بسرور الكلام : إذن أنت قريبة من سيدك فـــلان ؟!


فدفعت قولها وقد أثارني وصفها : لم سيدي ...!! لا ليس بسيدي ...!!


فقالت ثائرة بصورت مريع : بل سيدك و سيد الجميع ...!!!


فتغيظت عليها وقلت : مهلك ... مهلك ... بل هو سيدك وحدك ..


فأرسلت لي من عينيها سهام سمية ، وقالت كذا أنتم حاملو شعار السلفية !!!


نحن نحج كل عام إلى هذا الشيخ نتبرك بذلك المقام ...


بينما أنتم بالجوار ، لا تتكلفون زيارته في ليل أو نهار !!!


فلم أستطع الصمت فاندفعت وقلت : فعل ذلك بالإضافة إلى التبرك شرك ؟!


قالت صارخة بصوت مُعَارِك : بل هو قربة نتقرب بها إلى رب المعارج !!


ولكنكم أيها السلف لا تفقهون ؛ تلك عهود ومواثيق نحن بها قائمون ... !!


ثم شزرتني بنظارات نارية ........... ورفعت لواء المخاصمة والعدائية ...!!


والحق كان هذا زيادة في الشقاء و البلاء ، فقد كان يكفيني ما أنا فيه من ألم وعناء ...



36- الســـــــــــــوق ...

تقــــول صاحبتنـــــا :-

تملك نفسي العجب مما رأيت ، فلم أكن لأحلم بمثله ما حييت ..!!

أولا : تلكـم الصوفية ، وما تعمدت من أذىً دائما توجهه إليّ ..!!

ثانيا : عدم خلو المكان من الزائرين وخاصة من الرجال ،
مما جعل الشعور بالرتياح لمثلي من المحال ..!!

ثالثا : ثَـَـمّ بعض الرجال من العاملين ، للعمل في القسم
كانوا مشاركين .. !!

رابعا : بعد محل الوضوء ، مما شق عليّ وأشعرني بالسوء.. !!

خامسا : وكان ارتفاع الحرارة من الأسباب ، مع عدم قدرتي على التخفف من الحجاب.. !!

سادسا : وعن تناوب الباعة الجائلين في المكان فحدث ولا تحرَّج
يدخل أحدهم و بما يحمله الأرض يفرش ...!!!

سابعا : كانت المشفى جد بعيدة ، مما قلل الزائرين لي
فصرت غالب الوقت وحيدة ..!!


فضلا عما ألم بي من قلق وانتظار ...


فلازمني شعور بالمرار ، وفارقني السلام و الاستقرار ...



37 - القشة التي قصمت ظهر البعير ...!

تقــــول صاحبتنـــــا :-

و في الصباح بعد بضعة أيام ، إذا بمجموعة من الطلاب وأستاذهم في الأمام !

يلتفون حول السرير ، يتناقشون حالتي بانتباه واهتمام كبير ..!

فسألت الله ضارعة : بأن يكفينيهم ؛ فما كان رفضي لفحصهم سيرضيهم ..

فاستجاب الكريم دعائي ، فلهجت أرفع إليه ثنائي ..

ثم إني فهمت بعض ما قاله الأستاذ ، فكدت أفقد وعي وانقطعت مني الأنفاس ..!!

قال بغير العربية : هلمَّ نبدأ بعمل منظار ، نستكشف ما قد حدث لرئتها في فترة الانتظار...!!
ثم علنا نبدأ معها بالدواء ، عسانا ننجح بلا جراحة في القضاء على الداء ...!!

فلما انصرفوا وأتتني ممرضة ، سألتها همسا عن جرَّاحي على حدة ؟

فقالت : أخيتي ألا تعلمين أن ذلك الجرّاح الطبيب ، يستعد لسفر خارج البلاد قريب !!

فاتسعت عيناي في ذهول ، ولم أستطع حبس دمعي عن الهطول !!

فلما حضر أبي وبعض من أقاربي ذاك النهار ، ألفني على شفا جرف هار ..!

فلما أعلمته بما كان ، توسلته أن يأخذني في الحال من ذلك المكان ..!!

وقد أقسمت ألا أخضع لعمل منظار ، فمثل ذلك فوق الطوق والاحتمال ..!!

خرجت حروف كلماتي مخضبة بالدماء ، و بلغ شديد سعالي ما فوقنا من سماء ..!!

فأسرع أهلي لمقابلة الجرّاح في عمله الخاص ، ووصلوا إليه أخيرا لاهثي الأنفاس

فاعتذر منهم أنه لم يستطع الوفاء بالوعد ، لاضطراره إلى سفرة علم جدّ

ثم قال لهم : إنما هما أسبوعان فقط ، بالإضافة إلى كل الوقت الذي فُقد ...

فلما أخبروه عن انهياري ، وتدني حالتي وعدم احتمالي ..!!

أشفق - جزاه الله خيرا - عليّ ، واقترح اقتراحا أحسن فيه كثيرا كثيرا كثيرا إليّ ...



38- المشفى الأخيـــــــــــــــــــــــــــر ..

تقــــول صاحبتنـــــا :-

أحسن الطبيب الجرّاح إذ تفضل على أهلي باقنراح ...

قال - حفظه الإله ورعاه - : سأسافر بعد ثلاثة أيام إن شاء الله

ليتكم تأتونني بها في مشفى كذا ، وسأعلمهم هناك بكذا وكذا ..

فشكروه على كريم الاقتراح ، واتفقوا معه على نقلي إلى المشفى في الصباح ..

وفي الصباح جاءوا ليأخذوني ، وفي سيارة خاصة إلى مشفاه حملوني

وكان المشفى الجديد ذا نجوم ذوات عدد ، جد بعيد في المكان عن كل ما سبق ...!!

فلما وصلنا المشفى في الظهيرة ، وجدنا كل السبل ممهدة يسيرة..!

خصصت لي غرفة مكيفة خاصة : بها حمام ومكان للضيافة ..!!

وما إن استقر بي هنالك المقام ، حتى باشروا بإعدادي للجراحة في تمام ..!

فأخذوا مني العينات ، و اصطحبوني لعمل صور الأشاعات ..

وكذا انقضت حتى جنّ الليل الساعات ، وتمت بيسر جميع الإجراءات ..

ثم أمروني بالصيام ، وتركوني أقضى أول لياليَّ هناك في راحة و سلام !

وعند تمام الظهيرة من الغد ، كان طبيب التخدير يوصيني بالعدّ ..!

فأسررت بالشهادتين ، وكان آخر ما وعيت له صوت المؤذن في الحيعلتين ..!!



39- وتمت بفضل الله الجراحة ...

تقــــول صاحبتنـــــا :-

قلنــا : إن آخر ما سمعت ظهر الأربعاء صوت المؤذن يجهر بــالحيعلتين ،
ثم إني لم أشعر على الحقيقة إلا قبيل غروب شمس الجمعة بساعتين ..!!

أخبروني أن الجراحة استمرت لساعات طويلة ، وأن حالتي كانت حرجة و خطيرة !!

كما أنهم زودوني بنصف ما يحويه جسدي من دم ، وما أحزنني وأشعرني بالهم
أنهم اضطروا لجلبها على عجل من أسواق للدم ...!!

أفسد الخراج الفص الأخير من الرئة ، فقرر الجراح استئصاله كاملا كذا رأى ..
قال : قدر الله وما شاء فعل ، والحمد لله أن باقي الرئة جيدة للعمل .

- وحين أفقت ، وعن الوقت سألت ، أفزعني ما علمت :
حقا أليومين عن الوجود غبت !!

- فقالت أمي : كنت في العناية المشددة ألا تذكرين ؟
وعن الغطاء والستر كنت تسألين !!
كنت هناك ممددة بين كم هائل من الأجهزة ...!!

وأخذت تذكرني بكلمات ، ودموع جارية وآهــــــــــــــات ،
- وفيما قالت : ألا تذكرين أني صرختُ حين هويتِ أمامنا على الأرض ؟!

- فقلت لا ، كيف حدث هذا بالله ؟!

- قالت : إن الطبيب أصر على عمل صورة أشعة على الصدر
وأنت في وضع القيام ، فأقمناك وإلى جهاز التصوير بالأشعة أسندناك ،
فما مرت برهة إلا وهويتِ على الأرض ، وكادت تتحطم القنينة
الموصولة بأنبوب إلى الصدر ..!!

- فقلت : بلى بلى .. وكأنه حلــــــــــــم ، خلتها صورا وأحداثا صورها ليّ الوهم ..!!

ثم شعرت بألم شديد القدر ، مصدره ذلك الأنبوب الذي يخترق الأضلاع والصدر...!!


وفجأة سكتُّ عن الكلام ، وقد انتابني شعور من العجب التام !!

فسألني الحضور حواليّ : مالك هل تعبتِ إي : بنيـــــــة ؟!!

فقلت ودموع الحبور تهطل : ألا ترون أني بفضل الله لا أسعل !!!

ما ظننت أن السعال يوما تاركي ، ولا مذاق الدم وصدأه الملازم لريقي يوما مفارقي !!

ثم طغى على قلبي شعور بالامتنان لفضل القادر الرحمن ..........!!
 

40 - حـــــــــــــــــــــــــــــدث أن ...


تقــــول صاحبتنـــــا :-

وفي اليوم التالي للجراحة سافر الجراح ، و تعاهدني نوّابه مساء صباح

كانوا - جزاهم الله خيرا - كثرا ، فما كنت أحفظ لأحدهم اسما ولا وجها ..!

وقد نزعوا عني كل الأجهزة ، إلا خرطوم موصول بالرئة ..


و كان ذلك الأنبوب كعود من الحديد يخترق الضلوع ...!!


وفي اليوم الرابع ، تصاعد الألم مع كل نفس بتتابع ..!!


فلم أستطع الاحتمال ، وجرى دمعي لذلك وسال ... !!


فطلبت استدعاء أحد النوّاب ، عساه يخفف عني ذلك العذاب ..!

وبعد قليل من الزمان ، دخل أحدهم بمعطفه الأبيض عليّ المكان ...

فبادرته أشكو مما أعاني ، فاستمع قلقا ولم يقترب إلى مكاني ..!!

ثم غمم يدعو بالشفاء ، فاسترسلت أتوسله أن ينزع الأنبوب في رجاء ...!!

فلما انهيت الشكوى وهدأ النحيب ، سارع يقول : أخبري بذلك الطبيب ..!!

وتملكني من قوله العجب وسألته : إن لم تكن طبيبا فلم أتيت وما السبب ؟!

فقال يعتذر للترضية : أنا مسئول في المشفى عن التغذية ...

جئت أسأل عما ترغبين ، و أي نوع من الطعام تشتهين ؟

فأجبته بحرج : أيا ما كان ... الله المستعان الله المستعان ..!



41- قرار جازم ، وتفريط ظالم ...!

تقــــول صاحبتنـــــا :-

بفضل الله خرجت من المشفى أخيرا ، وعدت إلى البيت بعد سبعة أشهر تقريبا

مرت عليّ أوقات افتقدت فيه الأتراب ، كم آلمتني الوحدة ، واحتجت إلى دعم ورفقة !!


حينها أضمرت ما حييت ، ألا آلو جهدا في زيارة مريض ...

فكم عانيت وعاينت طول وقسوة الوقت ...!!

وها أنا بعد سنوات طوال ، أشعر في حلقي بالمرار ؛
لأني لم ألتزم العمل بذلك القرار ..!!

فكم أفرط في زيارة المرضى ، وما والله بذلك أقبل أو أرضى ..!!

ولكن تأخذني مشاغل الحياة ، وهذا ما لم أكن منهم أرضاه ..!!

إنّ المفرطّ في زيارة المريض من المـــلام قد يسلــم ،
ولكن كيف السبيل إلا تقبل عذر من بوجده هو أعلم !!!

اللهم اغفر لنا ذنوبنا ، وإسرافنا في أمرنا ... آمين .



42- تواصل بالرسائل ....

تقــــول صاحبتنـــــا :-

رأى الأطباء أن ينقلوا سامية إلى مشفى أخر خير لها

فحرص أهلي على تقصي أخبارها ، ولم يلههم ما أنا فيه عن الاهتمام بأمرها

ولأنهم أحبوها حرصوا أن يعودوها وعن حالي أخبروها ، والتحايا من كلتينا - مشكورين - حملوها وبود أوصلوها ..!!

ثم لما تيقنت ساميتي أنه لا فائدة من البقاء في المشفى ،

ولا سبيل إلى إجراء مخصوص فيها أو غيرها لكي تشفى ،

فضلت الانتقال إلى بيتها ، والرضا باسطوانة الهواء وأنبوبها رفيقة لها ...

وكان بيتنا في عاصمتنا العتيدة ، بينما تسكن هي في قرية بعيدة ..

فما كان بد من تبادل العنوان ، ليتم التواصل وإن بعد المكان ..

وبعد أن منّ الله عليّ بالشفاء ، كانت رؤياها لي رجاء ...!!

إلا أنني احتجت لأشهر من النقاهة ، فلم أستطع سبيلا إلى لقياها ..!!

فزارها بعض الأهل في قريتها ، وأحضر مكتوبا لي بخط يدها ...

ففرحت به كثيرا ، وضممته إلى صدري طويلا ...

كانت كلماتها مازحة ، وبعطر المعاني ناضحة ...!

عبقت الرسالة بعطر نسيمها ، فمتلأت نفسي بطِيب من عبيرها ..!

فزاد شوقي إليها ، وجرت دموعي لهفا عليها ...!

ثم تبادلنا الرسائل المطولة عبر البريد ، فكانت تلك سلوانا والله على ذلك شهيد ..!

اتسمت رسائلنا باللطافة ، فقد كانت - رحمها الله - ذات روح مرحة و خفيفة..!!

وحين عدت إلى العمل ، أضمرت إليها السفر ...!



43- رحمهـــــــــــــــــــــــــــا اللــــــــــــــــه ....!!

تقــــول صاحبتنـــــا :-

سافرت وأبي وأختى ، لزيارة ساميتي ...

فوجدتها في دارها كما عهدتها ، مقيدة إلى أنبوب نفسها ..

قابلتنا - رحمها الله - بكل ود وإشراق ، وتجالسنا لساعات كي نطفئ الأشواق..

وفي مجلسنا اجتررنا الذكريات ، وعلا وجوهنا البشر والضحكات ..

وانقضى الوقت كأنه لحظات ، ولمعت في مآقينا الدمعات ...

ثم أزف وقت الرحيل ، فودعتني بالتزام طويل ...

وفارقتها و قلبي والله أشد ما يكون تعلقا بها ...

إذا كانت الأجساد منا تباعدت*** فإن المدى بين القلوب قريب

وإن هي إلا أشهر قليلة ، تبادلنا فيها رسائل ليست بالكثيرة ..

ثم إذا بأهلي يستعدون بحزن للسفر ، يكرهون أن يعلموني بالخبر ..!!

قالوا : استغفري لسامية ..فقد قضت صابرة راضية ...

لن أقول بكيت ، ولا هي أعز من فقدت ، فوالله مهما كتبت

ستعجز حروف الكلمات عن حمل ما في قلبي من معانٍ رائقات

و ظلـت رسائلها في خزانتي ، فقد ملكت صاحبتها عليّ مهجتي ..

و من حين لحين حين يأخذني إليها الحنين
أجتر مع رسائلها الذكريات ، يبكيني ويضحكني - في آنٍ -
ما سطرت -رحمها الله - فيها من الكلمات...

وكم عنّ لي سؤال : تراني مرضت لألقاها ، و تبقى في مهجتي ذكراها ؟!!

ومن دعائي لعشرين عاما ما أنفك أنساها ...!!

ولطيفها - رحمها الله - أقول :


إن كان في الدنيا عز اللقاء بكم ** ففي القيامة نلقاكم ويكفينا ...



خـــــــــــــــــــاتمـــــــــــــــــــــــــة

تقــــول صاحبتنـــــا :-

ليست ذكرياتي ، كلمات سُطرت على قرطاس

هي بضعة مني نبض مع الأنفــــــــــــــــــاس

كانت حبيسة مهجتي مشبوبة الإحســـــــــاس

فبثثتها ونثرتها حية تغزو قلوب النـــــــــــاس

أشركتكم إياها لمعنى ســــــــــامٍ خــــــــــــاص

إن تذكروها فنعمت ، و قلبي ليس بنــــــــــــاس ...

انتهـــــــــــــى.

 



الأحد، 29 مايو 2011

نكتة لغوية من كلام لشيخ الإسلام ا بن تيمية


نكتة لغوية من كلام لشيخ الإسلام ا بن تيمية



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
باسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :
أبدأ مستعينة بالله سائلته التوفيق والسداد : فأسوق لكم تلك النكتة اللغوية
إن من كان له أدنى اهتمامًا بالمواد الشرعية ، فإنه ولابد مضطرٌ للاحتكاك باللغة ،
إن لم يكن فى كل الموضوعات التى يتطرق إليها ففى جلّها وهذا واقع معاين .
-* ومن أمتع ما قرأت من استدلالات لغوية فى هذا المجال :
استثناء جملة من حديث لإبى هريرة -رضي الله عنه -
في حديث الغرّ المحجلين : فقد أثبت ابن تيمية -رحمه الله تعالى-
أن تلك الجملة من كلام إبى هريرة - رضي الله عنه -
أدرجت فى الحديث ، ونُسبت للرسول صلى الله عليه وآ له سلم خطأً
مستدلا بالمعنى اللغوى ، وليس عن طريق علم الحديث أوالرجال
والعجيب : أن أحدنا إذا قرأ الحديث لم ينتبه بل ولم تُداخله أدنى شبهة
فى صحة نسبة كل كلمة فى الحديث لرسولنا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم !!!
-وما ذلك إلا لقلة حسّنـا اللغوي ، فالله المستعان .
-وحان الوقت لنذكر الحديث وموضع الشاهد منه :
ولمن لم يعرف تلك المعلومة سابقا فرصة متاحة لتأمل الحديث ؛
ومحاولة تعيين أى العبارات هى المدرجة من كلام أبى هريرة فيه .
- عن أبى هريرة -رضى الله عنه- قال : قال رسول -الله صلى الله عليه وآله وسلم- :
(( إن أمتى يأتون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء ؛ فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل ))
الفتح / كتاب : الوضوء/ باب : فضل الوضوء والغر المحجلين من آثار الوضوء / ج1 / رقم : 45

والآن ما هى العبارة المدرجة ؟

- هي : فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل

قال ابن تيمية :
(( هذه اللفظة لا يمكن أن تكون من كلامه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-
فإن الغرة لا تكون فى اليد لا تكون إلا فى الوجه وإطالته غير ممكنة إذ
تدخل فى الرأس فلا تسمى تلك غرة 0)) انتهى كذا فى إعلام الموقعين /6/316
منقول من كتاب: ( تمام المنة فى التعليق على فقه السنة ) لشيخنا الألبانى ص92 .

*- هل تأملتم السبب الذى استند إليه شيخ الإسلام فى إطلاق حكمه هذا ؟
المعنى اللغوى للغرة : والأصل فيها بياض فى جبهة الفرس والتحجيل بياض فى رجله
فمن المتعذر إطالة الغرة كما قال ابن تيمية ؛ لأن من حاول أطالتها دخل ولابد
على عضو آخر ألا وهو الرأس ؛ فلا يُتصور أن من أوتى جوامع الكلم والذى
لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى ، لايُتصور منه أن يقول
مثل هذه العبارة التي لا تستقيم لغويًا، بينما ذلك الخطأ لا يُستغرب من سواه ؛
لأن : سواه ليس بمعصوم ولا ينطق بالوحى ..وإن كان - رسولنا عليه الصلاة والسلام -
لابد آمرًا لقال : ( فمن استطاع منكم أن يطيل تحجيله فليفعل )لأن التحجيل فى اليدين والرجلين وهى الأعضاء التى تقابل أرجل الفرس
؛ وذلك لأن الأمر جاء في الشرع بغسل بعض تلك الأعضاء
فى الوضوء وليس كلها ، فمن أراد الزيادة والإطالة فى الغسل استطاع لاتساع العضو وقبوله الزيادة . 
 
رحم الله أبا هريرة إن اراد إلا الخير ، ورحم الله ابن تيمية
ونفعنا جميعا بما علمنا إنه بكل جميل كفيل ، هو حسبنا ونعم الوكيل

 

محاولة لتحرير محل النزاع حول حكم لبس الكمامة للمحرم





باسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :


يمكن تلخيصه محل النزاع في الجواب عما يلي :




1- هل تدخل الكمامة تحت مسمى

المخيط الذي يعد من محظورات الإحرام للرجال ؟
وإن لم تكن داخلة في مسمى المخيط هل يصح ستر وجه المحرم بها ؟



2- هل يجوز لبس النساء لها و هن ممنوعات من لبس النقاب حال الإحرام؟




أما عن السؤال الأول :


ففيه مسألتان :



** الأولى :


- إن قلنا أن تعريف المخيط كما قال أهل العلم :

هو ما خيط على قدر العضو
علمنا محل النزاع في إجابة السؤال الأول :

(أ) - فمن رأى أن الكمامة مفصلة على قدر ما تغطي من الوجه

لا يرى جوازها حال الإحرام للرجال ؛ لأنها بذلك داخلة في
مسمى المخيط الذي هو من المحظورات .

(ب)- ومن رأى أن الكمامات ليست مفصلة على

قدر ما تستر من الوجه
رأى جوازها حال الإحرام للرجال ؛
لأنها خارجة عن مسمى المخيط .


** الثانية :


(أ)- من رأى أن تغطية الوجه من محظورات الإحرام على الرجال

ولو بغير المخيط لم يجوز لبس الكمامات ودليله ما جاء في الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه :
بينا رجل واقف مع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة ، إذ وقع عن راحلته فوقصته ، أو قال فأقعصته ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اغسلوه بماء وسدر . وكفنوه في ثوبيه . ولا تخمروا رأسه ولا وجهه . فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا
الراوي: عبدالله بن عباس المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 1206
خلاصة حكم المحدث: صحيح

(ب)- ومن رأى أن الحديث الذي في مسلم صحيح عدا لفظة : ( ولا وجهه )

جوّز وضع الكمامة لأنه قصر الحرمة على تغطية الرأس وحده واستدلوا على
رد هذه اللفظة التي في مسلم بما يلي :
قالوا :ولا تخمروا رأسه هذه رواية الجماعة ، ومعنى لا تخمروا رأسه أي لا تغطوه ومنه الخمار لغطاء الرأس
. لكن ورد في رواية عند مسلم أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ قال ولا تخمروا رأسه ولا وجهه

وقالوا أن أهل العلم قد اختلفوا فيها:

- فذهب جماعة من أهل العلم إلى أن هذه الزيادة غير محفوظة وأنها شاذة حتى وإن وردت في صحيح الإمام مسلم فإن من رواها من الثقات خالف من هو أوثق منه وبتالي فإنها شاذة معلولة لا تصح ولا يصلح الاحتجاج بها .

- بينما ذهب فريق أخر من أهل العلم إلى أن هذه الرواية التي وردت في صحيح مسلم زيادة مقبولة محفوظة

لأنها زيادة من ثقة وزيادة الثقة مقبولة .

*إلا أن هؤلاء المجوّزين قالوا بشذوذها .




وأما عن السؤال الثاني :




(أ)- فمن يرى أن الكمامات داخلة في معنى النقاب

الذي هو محظور على المرأة لم يجوّزها .


(ب)- ومن يرى أن الكمامات ليست داخلة

في معنى النقاب جوّزها ؛ لأنها وإن صح
أنها تستر بعض الوجه إلا إنها ليست نقابا
وبخاصة أن من أهل العلم من نبه على الفارق
بين حرمة لبس النقاب على المحرمة
و جواز ستر وجهها حال الإحرام بأي ساتر ليس
النقاب و لا ما دخل في مسماه .





و ننقل ما يلي كتطبيق على اختلاف أهل العلم

في الحكم على تلك المسألة :


- مثال للمجوزين ومناط الجواز عندهم ما لون بالأحمر فوق الخط :


أجاز مفتي عام السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ لبس الكمامات للمعتمرين أثناء الطواف والسعي وفى الصلاة داخل المسجد الحرام وغيره والأخذ بالأسباب التى تقي الناس العدوى


وقال المفتي ردا على سؤال حول حكم لبس الكمامات في العمرة والصلاة" إنه جائز "لافتاً" أن الكمامات لاتعتبر غطاء وجه، فمن يرى الحاجة إلى لبسها فلا بأس وإن لم يكن هناك حاجة فتركها أولى".





- مثال لغير المجوزين ومناط عدم الجواز عندهم ما لون بالأحمر فوق الخط :


بينما أفتى بعض أهل العلم من غير المملكة :

بأنه لا حرج على الرجال أو النساء في لبس كمامة صحية «عند الحاجة» خلال الإحرام «مع إخراج فدية» (1).


هذا والله تعالى أعلى وأعلم .



---------------------------------

(1) - وهذه الفدية التي قالوا بإخراجها يبررها أنهم يرون
أن لبس الكمامة من محظورات الإحرام وعلى من فعل محظورا
فدية . {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك}
البقرة :196 .